المقالات

التناقض الأوروبي في الموقف من القضية الفلسطينية

وقفت بعض دول أوروبا الشرقية والغربية منذ عقد السبعينيات إلى جانب الفلسطينيين في نضالهم ضد الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، ويمكن القول بصفة عامة إن مواقف تلك الحكومات (إيطاليا – إسبانيا – فرنسا – البرتغال – اليونان – السويد – النمسا- رومانيا- ألمانيا في عهد المستشار الألماني ويلي براندت)، تمثلت في الأحزاب الحاكمة في تلك الفترة (الاشتراكية)، وأن خالد الحسن والسفراء الفلسطينيين في تلك الدول لعبوا دورًا هامًا في هذا الإطار لجهة تعزيز وتمتين تلك العلاقات، وما دعا إلى الاستغراب أن إسرائيل في تلك الفترة كانت عضوًا فاعلاً في الاشتراكية الدولية، ووصلت القضية الفلسطينية إلى عصرها الذهبي في عهد كورت فالدهايم الأمين العام للأمم المتحدة الذي صدر في عهده – بالتوازي مع انتعاش العلاقات الفلسطينية مع تلك الدول – قانون مساواة الصهيونية بالعنصرية، وترافق هذا التوجه لصالح القضية الفلسطينية مع زيارة جلالة الفيصل إلى العديد من الدول عام 1972 مما نتج عنه قطع العديد من دول القارة لعلاقاتها مع إسرائيل. وعبرت أوروبا في تلك الفترة عن دعمها للقضية من خلال “إعلان البندقية” الصادر عام 1980، والذي دعا إلى الاعتراف بحق الفلسطينيين في الحكم الذاتي وحق منظمة التحرير الفلسطينية في الارتباط بمبادرات السلام، ووقفت أوروبا بحزم في الدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام بمشاركة فلسطينية. لكن لُوحظ أن هذا الدعم كان “معنويًا” ولم يتخذ أي إجراءات عملية وفعالة في الضغط على إسرائيل لوقف الاحتلال وانتهاكاتها لحقوق الشعب الفلسطيني وللقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة، بسبب أن ذلك الموقف لم يكن يعمل بمعزل عن الولايات المتحدة في يوم الأيام، وجاء انحسار التيار اليساري، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وبداية تصاعد اليمين المتطرف في أوروبا في غير صالح القضية الفلسطينية التي أدت عوامل إقليمية ودولية أخرى إلى تراجعها (الحرب الأهلية اللبنانية، وخروج القوات الفلسطينية من لبنان، والجهاد الأفغاني – والغزو العراقي للكويت – واتفاقيتي أوسلو).

ما يجمع بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي الآن أن كلاهما يحكم من قبل أنظمة يمينية، وهو ما جعل الاتحاد الأوروبي يتراجع عن دعمه المعنوي (المعتاد) للقضية الفلسطينية، وفي الحقيقة يبدو الموقف الأوروبي الآن من القضية الفلسطينية (مترنحًا)، ويتسم بالتناقض، وهو ما عبرت عنه مؤخرًا تصريحات رئيس السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل التي انتقد فيها تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين والعمليات العسكرية الإسرائيلية التي غالبًا ما تؤدي إلى سقوط ضحايا بين الفلسطينيين. وإشارته إلى أن الاستيطان يتزايد ، وكذلك محاولات تغيير الوضع الراهن في الأماكن المقدسة في القدس، وهو ما دعا وزير الخارجية الإسرائيلية إلى الاتصال ببوريل طالبًا منه عدم التدخل في شؤون إسرائيل، مما جعل بوريل يتراجع عن موقفه بالقول: “نحن مراقبون عن كثب لأن إسرائيل شريك رئيسي، وقيمنا المشتركة تستند إلى مجتمع ديمقراطي ومنفتح وسيادة القانون”.

وتبدو المواقف الأوروبية التي تتظاهر بالوقوف إلى جانب الفلسطينيين تصطدم مع مواقفها الحقيقية التي تعجز عن الرد على السؤال: لماذا لا يعترف الاتحاد الأوروبي بحق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم ضد الاحتلال؟ .. ولماذا يساوي دائمًا بين العنف الإسرائيلي وما يسميه “العنف”، وأحيانًا “الإرهاب” الفلسطيني بالرغم من كون إسرائيل دولة احتلال؟

الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كلاهما يرسلون أسلحة لإسرائيل تقتل بها الفلسطينيين، وهذا إثبات لا لبس فيه على أن كلا الطرفين شريك لإسرائيل.

ويتجسد التناقض في الموقف الأوروبي في أن الاتحاد الأوروبي قد يدين- على استحياء – إسرائيل وانتهاكاتها، إلا أنه لا يزال “شريكًا رئيسيًا” في نفس الجرائم التي يندد بها من خلال إرساله السلاح لإسرائيل وترديده الدائم لمقولة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، والتأكيد على الأكذوبة الكبرى لعلاقة “الشراكة” في القيم والديمقراطية التي تجمعه مع إسرائيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى