إيوان مكة

الرجل القوي لايبكي

لقد أخبرتك قديمًا وفي أول لقاءاتنا ، أن الرجل الشرقي أتعس رجال الدنيا .
فمنذ أن يولد يتقلب في المجالس ويلتقم بمعدل أنفاسه أن الرجل لايبكي ، ويظل على ذلك حتى يشيب عارضاه .
من جهةٍ أخرى تراه المرأة الشرقية ليس حقيقًا بالثقة ولاالحب وربما تجاوزت ذلك أنه ليس حقيقًا بالعيشِ ولا بالحياة .
ثم ماذا ؟
من ذات الجهة البائسة تنتظر منه أن يكون حنونًا رحومًا فيكون ، ومعطاءً فيكون ، وشاعريًّا خلَّاقًا حين تحزنُ وتغتمُّ فيكون لها كالنسمة الرقيقة الباردة التي لم تَحْلُمْ يومًا أن تمرَّ منها نفحةٌ تُداعِبُ خُصْلةً من شعرها وتُعَطِّرُها ، وأن يكون أمانًا تجدُ في دفء حضنه لمسة الأب الحاني وهمسة العاشق المغرم وملاذ الزوج المكين وسياج الأخ الحصين فيكون .
فتأتي عليها السآمة والملل بعد فرط الدلال ، فتكون شاكرةً وفيَّةً بإهماله وكسر قلبه وكأنه لم يكن يعني لها يومًا أي شيء .
حتَّى تذهبُ أنفاسه فُرُطًا وأضلاعه حُطامًا ، تلك الأنفاس التي غُذِّيت أنه رجلٌ حريًّا به أن يكون قويًّا فلايبكي ..
فيسيح في الأرضِ على غير هدىً جلدًا صلف الظاهر وكأنه جذع شجرة معمرة اخترمتها الرياح وخشَّبتها تقلبات الفصول فلاروح فيها ولاعروق ، عارية الأوراق غدت غصونها نهبةً للمدافئ وسَمَرًا لعبثِ السامرين .
لايعرف كيف البكاء ولامن يستحق انكسار دمعته ، فيُرَبَّتُ بالتَّعَلُّلِ على كتف نفسه ووجعه أنه رجلٌ ينبغي عليه ألّا يبكي حتى ينسى من أين تجري جداول الدموع .
أما باطنه ماظننتُ بعد كل هذا أن هناك مايمكن كتابته عن شيءٍ لايمكن وصفه ..
إنه شيءٌ بشع ومؤلم ومحبط !

ولذلك كنت وبشكلٍ جيد وحينًا بشكل مفرط ، أقاسم الناس ضحك لهاتي ليلًا ونهارًا كما يقتسم الفقراء كِسَرَ الخُبْز .
إلا بكائي حتّى أغدو قويًّا كنتُ أختبئ به بعيدًا وأنكفئ على نفسي ؛ كجندي في أرض المعركة يحفر تحت شجرة وهو يتلفّت هنا وهناك ليخبئ منديل حبيبته فلايُعْلَمُ مكانه .

عماد مستور المطرفي

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. حتى ينسى من أين تجري جداول الدموع .

    عادة لا أعرف كيف أنطلق في موضوع يلامس حقيقة الشعور وواقع الحياة ،عبر عماد عن مانخفيه وباح بما نكتمه

    شكرا عظيمة للعمدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى