

قرأت مؤخراً المجموعة القصصية (نبتة مريم) للقاصة نوف سمرقندي. صدرت عن دار سيبوبة عام ٢٠١٧م.
مجموعة مختلفة من حيث موضوع قصصها التي تنحو منحى إنسانياً، بعيدة عن فكرة اليومي والمستهلك من الأفكار. ففيها نزعة صوفية فيالمعنى، بدءاً من الإهداء، (أهدي هذه المجموعة إلى كلمة الله في قلبي) ومروراً باختيار عناوين القصص ذات الدلالة العلوية مثل (نبتة مريم،روح للإيجار، انشق القمر، قيامة)، وغيرها، وانتهاء باللغة المجازية.
إنسان هذه القصص ليس إلا العارف النسبي للحقيقة، لكنه أيضاً واقعي الملامح من حيث خصوعه لشرط الواقع. ففي قصة روح للإيجارتنثر المرأة الفقيرة حليبها على الرضع في حيها، فإذا بها تروي هؤلاء الرضع الذين رفضوا كل المراضع من أجل أن تروي أطفالها، وفي ذلكإشارة إلى روح الإنسان التي خُلقت لتحلق في ملكوت علوي، وإنما حضورها على الأرض لإسعاد الأرواح البريئة. واختيار الرضع هنا دلالةعلى نقاء الأرواح التي تحتاج إلى تغذية من روح تعرف قيمة وجودها.
في أول حادثة إرضاع رفض الرضيع كل المواضع وأقبل على ثدي هذه المرأة. نعم (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكرمنها اختلف).
وفي قصة (نبتة مريم) كل شيء يمتد من أبعد نقطة في ذاكرة الراوية. تحضر مريم شاهدة على عصر كان ويتشكل في صيرورة لا تكادتنتهي؛ وكأن الحياة مرت دون أن تحمل مريم معها. مريم قديمة حتى كأنها لن تموت، وهي رمز للفكرة التي تجسد النقاء الذي تقادم حتىأصبح أطلالاً تُروى. فهي فقيرة لا تقبل الصدقة، وهذا يؤكد رمزية المريد الذي لا يطلب شيئاً لنفسه سوى الحياة من أجل فكرة علوية.
فضاء المجموعة شواهدها كثيرة على فكرة التسامي على الواقع بلغة أكدت هذا المنحى. لعل بساطة الشخصيات هي ذات التركيبة التييحملها أصحاب التصوف، فالتسامي دربة أوصلتهم إلى اكتشاف فساد الواقع.
في قصة (قيامة) رمزية الآخرة تحضر وتحيل الجميع سواسية. زاوية القصة أخذت من حرارة الشمس رمزاً لعلوية المحاسبة، إذ الكل فيزحام وخروج إلى اللامكان، وكأن لا أحد في بيته. هنا يحقق الصوقي غايته، إذ لا أحد يملك نفسه، فلا خلاص من شمس حارقة لا تدع أحداًخارج كيانها.
من جماليات المجموعة اللغة ذات النزعة الهادئة والعبارت غير المستهلك، وهي تشكل معجماً ملائما لطبيعة المجموعة.
نوف قاصة موهوبة، فقط تحتاج إلى تنقية مجموعتها من بعض الأغلاط الطباعية عندما تعيد طباعتها.
د. حسن النعمي





