الثقافيةصالون مكة الأدبيمنتدى القصة

“مونتاج” قصة قصيرة للكاتب سمير الفيل

سمير الفيل 

 

لا يكاد يخطو خطوة حتى يحرك المسبحة بيمناه، ناطقًا أسماء الله الحسنى، لا تفارقه التمتمات التي هي أدعية محفوظة، ورثها عن شيخه الجليل.

وضعه على أول الطريق ثم مات بعد عزومة تابع من أتباعه الكُثُر، والشيء الغريب أن مشيعيه كادوا يسدون الأفق، فقد كان مبروكًا، يعطي بسخاء ورضا، لكن ما حدث بعد دفنه، شيء غريب، ظهور نساء كثيرات قلن إنه تزوج منهن . كل واحدة بيدها ورقتها العرفية. 

مونتاج :

 ما لزوم أن نتحدث عن الشيخ وقد صعد ليقابل وجه كريم، الأفضل أن نتحدث عن بركاته، وعظاته، وخيره الذي أغدقه على الجميع. 

لم يكن له عمل محدد غير حل المشاكل بصدر متسع، ولم يكن يحصل على أجر، فهو يرفض بتاتًا أن تمتد يده لقرش ليس له. يقول إن أجره في السماء مضمون . 

تأتيه الهدايا من كل حدب وصوب، من زوجات عائدات لطاعة أزواجهن، ورجال كادوا يدخلون بأرجلهم نار جهنم فصوَّب طريقهم، وأمهات عجائز كُن على الحافة فأبعدهن عنها، وأجلسهن بالراحة في مقاعد حول الفراديس.

مونتاج: 

يمكن حذف هذه العبارة كُليًّا، فلا يوجد أحد يمكنه التأكيد على كون الهدايا كانت بناء على اتفاق مسبق، فربما مُنحت له عن طيب خاطر بعد شفاء أصحاب الحالات .

يتحدث أحد أتباعه عن نظام غذائي صارم يتبعه الرجل، فهو لا يأكل اللحم، لكنه يشرب الحساء، الدجاج لا يقترب منه، ولا الأسماك التي يرى أن مكانها الطبيعي في البحار والبحيرات والأنهار، فلماذا توضع على أطباق فخارية لترضى الجائعين هنا وهناك. 

طعامه المفضل: البقوليات، أعواد السريس والبقدونس والكرفس، حبيبات البطاطس والباذنجان والكوسة، أما الفواكه فتوضع بمقدار، فنحن نأكل لنعيش، وليس الأمر أننا نعيش لنأكل.

انتهى الكلام عن الشيخ، أما الحكاية الأساسية التي من أجلها كتبنا تلك الرقاع، فتخص صالح البدري هدهد. 

طبيب الأمراض الصدرية الذي عاش في بلاد الخليج أربعة عشر عامًا، وعاد مع زوجته طبيبة النساء؛ ليبدءا جني ثمار الكدح الذي لقياه في غربة انطبعت على ملامحهما.

 مونتاج: 

لا أحد أجبر صالحًا على البقاء تلك المدة خارج البلاد؛ فهو اختياره وحده، وهو مؤهل لتسيير أموره؛ الغربة فضَّلها كي يعود فيبني عمارة ذات طوابق متعددة، وشرفات مغلقة على أصحابها، وحدائق بخضرة كابية.

رأى صالح أن يستثمر أمواله في عقار فاخر، ويتحول من طبيب له في أحوال شفاء الناس إلى رجل يوظف أمواله في مشروع يعود عليه بريع ضخم.

 وافقته زوجته خيرية عماد الأخرس على مشروعه، ولما كان لها مالها الخاص، وحساب باسمها فقد رأت أن تبني عمارتها هي الأخرى في مكان آخر يسكنه الوجهاء؛ لذلك اشترت بحُر مالها قطعة أرض مطلة على النيل، وشرعت هي الأخرى في البناء.

مونتاج : 

يمكننا بسهولة حذف هذه الفقرة، فبناء البيوت عمل اعتيادي لا يحتاج إلى تدوين، هي مثله تريد أن تشعر بالأمان مع مُضي قطار العمر فمجرد رؤيتها للبيت، سوف يمنحها شعورًا بالطمأنينة .

 قال لها دون أن يمارس ضغطًا: يمكنك أن تعملي لي توكيلًا بسحب وإيداع أي أموال بالحساب بدلًا من نزولك في أوقات لا تناسب المرأة في بلادنا.

لم تأخذ خوانة، فوافقت بعد أن طلبت منه مهلة ثلاثة أيام، وجاء محامٍ؛ ليكتب التوكيل ومعه ورقة الضد، أي أن يكتب هو الآخر ورقة لضمان حقوقها، مجرد إجراء صوري للأمان.

مونتاج:

 تحتاج هذه الفقرة لإضافة معلومة مهمة حيث لابد من التأكيد على أن ما بينهما من مودة ورحمة لم يكن يستوجب تدخل محام غير أن المتمرسين بالشأن القانوني استملحوا تلك الفكرة.

جاء المهندسون فوضعوا التخطيط،، حضر المقاولون فشيدوا العمارتين، صعد مئات العمال على سقالات هنا وهناك، وهبطوا، حتى دخل المشروع في حيز التشطيبات النهائية.

انشغلت الطبيبة خيرية في عملها الجديد بمستوصف عملت فيه بأجر كبير، وانشغل هو بالعمارتين، ولم يعد لديه وقت لقراءة الصحف ولا مشاهدة التليفزيون.

 من الشقة القديمة المستأجرة إلى عمارة خيرية ثم منها إلى عمارته، وقد وضع على عمارته :” ادخلوها بسلام آمنين” . بعد تفكير وضع على مدخل عمارة خيرية :” ما شاء الله.. الله أكبر”. فقد كان طيف شيخه يمده في المنام بأفكار تجلو الصدأ عن عقله.

 بنات الدكتور صالح جميلات جدًّا، ومطيعات: رنا، هنا، حلا. اختيار الأسماء خضع لجدل طويل وتم الاستعانة بأصحاب الذوق، فأشاروا لتلك الأسماء العصرية بدلًا من أسماء مقترحة منها: تفيدة، نجيبة، ذكية.

يعتقد الطبيب صالح البدري هدهد أن الاسم رزق، فهو كاشف عن طبيعة الشخصية. 

لذلك كانت رنا : ترنو للسماء البعيدة، تحيطها رومانسية مطلقة.

 هنا : هي أقرب للسعادة بضحكتها البريئة، ودلالها وهي تتحدث بأدب جم، فالتربية كما يقول علماء هذا الفرع من العلوم الإنسانية، هي أساس بناء الشخصية. هي أيضًا تقرأ الأبراج وتعتقد فيها . 

أما حلا، فقد كانت الأصغر ولديها طابع حسن عند ذقنها، وكانت تتحدث مع زميلاتها بصوت هامس لا يكاد يبين.

 مونتاج: 

كل ما تقدم لا لزوم له، فما فائدة أن نتفحص أسماء البنات، هذا أمر يخص جهاز تنظيم الأسرة، ولن يؤثر اسم ما في سياق الدراما. نقترح حذف هذه الفقرة لكونها تؤدي لترهل السرد!

لماذا لا نرجع إلى صُرة الحكاية، فنقترب من عالم الطبيب الذي كاد ينتهي من بناء العمارتين، في زمن متقارب جدًّا . هو يشرف على اختيار لون الطلاء الخارجي مع مدخل جهز بالرخام . 

جعل عمارته بلون أحبه منذ طفولته: الأحمر القاني. أما عمارتها فقد اختارت لها اللون السماوي الذي تحبه، وجعلت النقاشين يرسمون طيورًا بلون ناصع البياض لكأنها لوحة تشكيلية.

مونتاج:

 الحديث عن الألوان لا طائل من ورائه غير تضييع جزء من الجهد، ومن الأوقع عدم ذكر الألوان فهذا أمر ممكن فعله في الرواية أما في القصة القصيرة فهو أمر غير محتمل، وزائد، ومكروه .

تذهب الدكتورة خيرية إلى المستوصف بنفس حقيبتها التي كانت تحملها ذهابًا وإيابًا في عملها بالخليج، وهو بدوره لم يتجاسر على شراء بدلة تعيد له نضارته، وقرر بينه وبين نفسه أن يهتم بالبنايتين اهتمامًا يفوق أي شيء آخر .

 لقد أصبح لديه صرحان عظيمان، وداعًا لأيام الفقر، والشُّح، والحجرات الضيقة، والنوافذ المخلوعة . 

قالت له ذات مساء : متى ننقل عفشنا؟

صمت ليستوعب أبعاد السؤال: كما ترين.

 ـ في هذا الشهر مثلاً؟

ـ ولم التأخير؟ ننقلها هذا الأسبوع .

ـ في عمارتي أم عمارتك؟

ـ عمارتك طبعًا، سوف أقوم بتأجير شقق عمارتي بالكامل، وسوف أقوم بوضع الإيجار في حسابك أنت بالذات. الأمانة لا تتجزأ.

 قامت فقبلته في كتفه ـ تخجل أن تقبله في فمه الواسع بعد هذا العمر ـ ودعت له بالخير والسعادة فلما راح يسعل، دعت له دعاء من القلب بالصحة وربنا يتقبل.

 تم النقل بسرعة كبيرة، فرحت البنات بالشقة الواسعة التي اختارها الأب في الدور الأول فوق المحلات مباشرة .

في نفس الشهر قررت خيرية التوجه للبنك لتستفسر عن خط سير ما أودعته من مال.

مونتاج: 

لا ضرورة لهذا التقديم، فمن يقرأ معي الحكاية سيدرك بنباهته أن الرجل خدعها، وسحب كل أموالها . 

هذا غير صحيح بتاتًا. لقد ترك لها ما يقيم أودها. قبل أن تصرخ وتطب مصابة بالذبحة الصدرية كما يتوقع الجميع. فعلت شيئًا مغايرًا. ذهبت لسوق السلاح، اشترت سكينًا، له نصل كبير.

ذهبت للرجل الذي يسن السكاكين . قالت له وهي تعض النواجذ : اجعل الحد قاطعًا، دجاج هذه الأيام لا يمكن حزُّ رقابها بسهولة، والديوك تغلبنا وقت الذبح. 

نفَّذ الرجل كلامها بكل دقة، فوضعت السكين في حقيبتها التي جاءت بها من الخليج . 

جلس زوجها يضحك؛ لأن وقت بناء العمارتين لم يتح له فرصة لمعرفة ما يحدث في العالم من أخبار وتطورات في البورصة وانخفاضات في الأسهم، كما أن الانقلابات في عموم أفريقيا وآسيا أصبحت أمورًا عادية . هو الآن يشاهد مسرحية ” ريا وسكينة” . 

سألها : متى ننقل الأشياء التي تركناها في الشقة القديمة؟.

 قالت وهي ترمق الحائط خلفه: لا حاجة لنا بالكراكيب.

 بعد إكمال طعامه، قربت منه طبق الفاكهة الممتليء لآخره بعنب وبرقوق أحمر ومشمش أصفر مخدَّد . 

تناول بعض الفواكه، وفجأة شعر بألم حاد في جانبه الأيسر. نظر ناحيتها بصعوبة : كانت تكمل إخماد السكين في منطقة وسطى بين الرئة والقلب ، ولما سألها عن سبب ما فعلت . قالت بكل هدوء : لك الموت ولي السجن. لن تستمتع بالعمارتين وحدك .

 مونتاج:

 لم يمت صالح البدري هدهد بل نقل إلى أقرب مستشفى وظل فترة يعالج بغرفة العناية المركزة، وحين ذهبت لتسلم نفسها للقسم القريب، فتح الضابط الدفتر، أمهلها خمس دقائق لترتب أفكارها.

اتُّهمت بالشروع في القتل، كانت التحقيقات مبينة ما فعلته وهي لم تنكر، ظل بمفرده بعد التعافي، ساكنًا عمارته، أما الأخرى التي فيها سكنهما فقد عشش فيها البوم . 

كان العرسان الجُدُد يذهبون للرجل؛ كي يؤجر لهم شققًا في العمارتين، يراه طالبو السكنى يلوح بيده غاضبًا: روحوا لغيري . الزواج مشروع فاشل.

 بعد تمام شفائه كان وحيدًا فقد عاشت البنات في شقة بمفردهن، كن يزرن الأم في سجنها، فتدير لهن ظهرها، تضيف بمرارة: سأحاول قتله ثانية لو خرجت سليمة .

ثم تواصل حديثها: اذهبن لأبيكن هو الأولى بكن.

 لم تكن تنتحب، ولم تذرف دمعة على نقود ضاعت . 

مونتاج:

 لا حاجة بنا لتفاصيل أكثر، فالسكين ما زالت طعنته تؤلم الطبيب المعتزل رغم مرور السنين .

 أما يدها التي طعنت بها زوجها فقد كانت ترتعش حتى وقت كتابة هذه السطور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى