في الثاني والعشرين من فبراير لا نستدعي التاريخ بوصفه حدثاً مضى بل نوقظ الذاكرة الوطنية لتنهض شاهدة على لحظة الميلاد الأولى حين وضع الإمام محمد بن سعود – رحمه الله – في عام 1139هـ (1727م) حجر الأساس لدولةٍ لم تكن عابرة في الزمن بل راسخة في الجذور واضحة في الرؤية عميقة في الأثر.
إن يوم التأسيس ليس احتفالاً بالماضي فحسب بل تأكيد على أن هذا الوطن بُني على رؤية وحُرس بالقيم واستمر بالقيادة.
منذ ذلك اليوم تشكّلت ملامح الدولة السعودية الأولى على مبادئ الوحدة والاستقرار وتحقيق الأمن ونشر العدل وهي مبادئ لم تكن شعارات تُرفع بل ممارسة يومية في إدارة شؤون الناس وبناء المجتمع ومن تلك الجذوة الأولى توالت مراحل التأسيس وتعاقبت الدول حتى جاء عهد التوحيد على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – ليجمع الشتات ويؤسس دولة حديثة تحمل في قلبها أصالة التاريخ وفي عقلها منطق الدولة.
ومع تعاقب العهود ظلت المملكة العربية السعودية وفية لثوابتها ماضية في البناء متدرجة في التطور متزنة في مواقفها حتى وصلت إلى عهدها الزاهر عهد سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – الذي قاد الدولة بخبرة التاريخ وحكمة الدولة وعمق رجل عاش تفاصيل الحكم منذ فجره الأول.
في هذا العهد لم يكن التطوير قفزاً في المجهول بل انتقالاً واعياً من مرحلة إلى مرحلة ومن منجز إلى منجز ضمن مشروع وطني متكامل تتقدمه رؤية السعودية 2030 التي أطلقها وقادها سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – لتكون نقطة التحول الكبرى في مسيرة الدولة.
رؤية لم تكتفِ بإعادة صياغة الاقتصاد بل أعادت تعريف العلاقة بين المواطن والوطن وبين الدولة والمستقبل.
اقتصاد متنوع وتمكين للشباب واستثمار في الإنسان وقفزات نوعية في قطاعات السياحة والصحة والثقافة والترفيه والرياضة والتقنية والصناعة والتعليم والطاقة المتجددة مع حضور عالمي فاعل جعل المملكة رقماً صعباً في معادلات السياسة والاقتصاد الدولية.
لقد شهدنا في هذا العهد منجزات لم تكن أحلاماً بعيدة بل خططاً تحولت إلى واقع: مدن ذكية ومشروعات عملاقة وبنية تحتية متقدمة وتمكين للمرأة وحراك ثقافي غير مسبوق وشفافية إدارية وحوكمة رشيدة وإصلاحات تشريعية عززت من كفاءة الدولة وموثوقيتها.
ويظل اللافت في هذه المرحلة أن القيادة لم تنفصل عن الجذور ولم تغادر الهوية بل جعلت من التاريخ قوة دفع ومن الإرث الثقافي ركيزة ومن القيم الوطنية منطلقاً لكل مشروع.
وهنا تتجلى عبقرية الدولة السعودية: أن تجمع بين عمق التأسيس وجرأة التحديث.
إن يوم التأسيس ونحن نعيشه اليوم هو رسالة للأجيال بأن هذا الوطن لم يولد صدفة ولم يستمر بالمجاملة بل قام على إرادة واستمر بالعزيمة ويتقدم اليوم بالطموح.
هو يوم نقف فيه إجلالاً لتاريخٍ صنع الحاضر وثقةً بقيادةٍ تصنع المستقبل.
وفي هذا اليوم نؤكد أن ما تحقق لم يكن نهاية الطريق بل بدايته وأن المملكة – بقيادتها وشعبها – ماضية بثبات كما بدأت قبل ثلاثة قرون: دولة تعرف من أين انطلقت وتعلم إلى أين تتجه.





