المقالات

‏القائد الناجح يحيط نفسه بالأكفاء

بعض القيادات تقع في خطأ متكرر، حين تظن أن إحاطة نفسها بفرق محدودة الكفاءة يمنحها حضورًا أقوى وسيطرة أسهل، بينما الحقيقة أن هذا الأسلوب يضعف المؤسسة على المدى البعيد، ويجعل النجاح مرتبطًا بشخص لا بمنظومة. القائد الذي يخشى الكفاءة حوله لا يبني مؤسسة، بل يبني دائرة ضيقة تنتهي عنده وتدور حوله.

أما القيادة الناجحة فهي عكس ذلك تمامًا، تقوم على اختيار الأكفأ وتمكين الأقوى، وإتاحة المجال للعقول المختلفة أن تعمل وتنتج وتختلف وتبدع، لأن قوة القائد الحقيقية ليست في من حوله من الضعفاء، بل في من يرفعون مستوى العمل معه.

وفي النموذج النبوي تتجلى أعظم صور القيادة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع كل رجل في موضع قوته، فكان أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة، وكان خالد بن الوليد قائدًا عسكريًا بارعًا، وكان معاذ بن جبل من أفقه الناس في الحلال والحرام، فيرسله معلمًا وقاضيًا. هذا التوزيع الدقيق للكفاءات لم يكن عشوائيًا، بل كان بناءً لدولة تقوم على تنوع الخبرات لا احتكارها.

وفي عهد الخلفاء الراشدين يظهر المعنى نفسه بوضوح؛ فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحيط نفسه بأهل الرأي والعلم من الصحابة، ولا يتردد في الاستفادة من قوتهم، وكان يقول: “أصابت امرأة وأخطأ عمر” إقرارًا بأن الحق لا يُحتكر، وأن الكفاءة قد تكون عند غير صاحب المنصب. وكذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يعتمد على مشورة كبار الصحابة في تثبيت الدولة وإدارة الأزمات، إدراكًا أن قوة القرار في تعدد العقول لا في انفرادها.

وعبر التاريخ الإسلامي يتكرر النموذج مع صلاح الدين الأيوبي، الذي جمع حوله قادة وعلماء وفقهاء، فكانت دولته قائمة على شبكة من الكفاءات المتكاملة، لا على فرد واحد، مما منحه قوة استمرارية وقدرة على مواجهة التحديات الكبرى.

وفي العالم الحديث نجد النمط ذاته عند قادة مؤثرين؛ فـ Steve Jobs في Apple لم يكن يعمل وحده، بل اعتمد على فرق هندسية وتصميمية عالية الكفاءة، وكان يحرص على أن تكون بيئة العمل مليئة بالتحدي لا بالضعف، لأن المنتج العظيم لا يصنعه فرد بل منظومة. وكذلك Elon Musk في مشاريعه مع Tesla وSpaceX اعتمد على مهندسين من أعلى المستويات، وكان يدفعهم لرفع سقف التفكير باستمرار، لأن الابتكار لا يولد في بيئة مريحة، بل في بيئة تنافسية عالية الكفاءة. أما Jack Welch فقد قام في General Electric على فكرة رفع الكفاءة المستمر، وإبقاء الأفضل، باعتبار أن المؤسسة القوية تُبنى على جودة الإنسان لا على كثرة العدد.

وفي المعنى القديم قال الحكماء: “اعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله”، لأن القائد الناجح لا يحتكر الفكرة، بل يصنع بيئة تنتج أفكارًا أقوى منه.

وقال الشاعر:
إذا لم يكن في القوم مثلك قائدًا
فما القوم إلا خائب ومضيّع

وقال آخر:
وما المجد إلا أن تحيط بنفسه
بأهل العقول إذا الرؤوس ترفع

فالقيادة ليست في تقليل الآخرين، بل في رفعهم، وليست في صناعة التبعية، بل في صناعة الكفاءة، لأن القائد الحقيقي لا يُقاس بمن يخضع له، بل بمن يصنعهم حوله حتى يكبر الأثر ويصغر المنصب، وتبقى المؤسسة أقوى من الفرد، وأبقى من كل اسم فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى