المقالات

وسام النيلين لابن الحرمين

بعد سنوات حفلت بالعمل الدؤوب لتمتين العلاقات بين الرياض والخرطوم، غادر سفير خادم الحرمين الشريفين، علي بن حسن جعفر، مخلفاً وراءه سيرة عطرة وأداءً مشرفاً عكس عمق الروابط بين البلدين الشقيقين.
وعادةً، لا تحتفي الدول بمغادرة السفراء إلا عبر بروتوكولات دبلوماسية مألوفة، ولكن عندما يتجاوز أداء السفير حدود الشكليات التشريفية، يختلف الوضع تماماً في عمق الأداء وبلاغة الرسالة. وقد جسدت مسيرة سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الخرطوم، بعد سنوات حفلت بالعمل الدؤوب، سيرة أداءً استثنائياً عكس عمق الروابط بين البلدين الشقيقين.
ولم يكن وسام النيلين من الطبقة الأولى الذي قلّده إياه رئيس مجلس السيادة مجرد تكريم بروتوكولي عابر، بل جاء وثيقة وفاء رسمية وشعبية لرجل قاد الدبلوماسية في أحلك الظروف وأعقدها. فبينما غادرت بعثاتٌ عديدة، ظل ابن الحرمين حارسًا لأواصر الإخاء، مخلداً في ذاكرة السودانيين مواقف إنسانية راقية لا تُنسى.
وقد تجسدت هذه المواقف الأخوية ميدانياً عبر إشرافه المباشر على مشروعات مركز الملك سلمان للإغاثة، والتي بلغت قيمتها مئات الملايين من الدولارات. فاستحالت الدبلوماسية في عهده إلى مئات الآلاف من السلال الغذائية، وأكثر من 105 أطنان من الأدوية والمستلزمات الطبية العاجلة، فضلاً عن حملات الإيواء المكثفة للمتضررين والنازحين، بالتعاون مع المنظمات الأممية الشريكة.
وعلى الصعيد السياسي، برز دور السفير كـمحرك رئيسي لمبادرات الاستقرار؛ إذ قاد ميدانياً من بورتسودان أكبر عملية إجلاء بحري وجوي شهدتها المنطقة، مؤمناً تفويج الرعايا السعوديين ومواطني أكثر من 12 دولة شقيقة وصديقة نحو بر الأمان في جدة. كما مثل حلقة الوصل الأساسية في تفعيل “إعلان جدة” للمحادثات الإنسانية، مستكملاً جهوده في دعم الصلح ورتق النسيج الاجتماعي داخل الولايات السودانية.
يغادر السفير علي بن حسن جعفر تاركًا شواهد حية على عطاء راسخ تبرهن عليه الأرقام قبل الكلمات. وبقدر ما تودعه البلاد بالامتنان، فإن إرثه الإنساني، مقروناً بالمصادقة على إنشاء المجلس الأعلى للتنسيق المشترك، سيظلان قاعدة صلبة ومستقرة لمستقبل العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى