إيوان مكة

نحن نتحول إلى آليّين.!

من النافذة

قفزتْ ذاكرتي إلى شرفةٍ تحيط بها القضبان الحديدية الصّدِئة.
طفلة صغيرة حافية القدمين، في يديّ رائحة السكر المسروق من وعاءٍ زجاجي كان مخصصاً للضيوف فقط.
أرقب بضع حمامات كانت تزف الفرح من الأرض إلى الغيم، أصرخ في وجه القطط العابرة على رصيف الطريق الفارغ من زحام هذا الزمن السيء.
لا أعرف من التكنولوجيا إلا التلفزيون المقوس، أنتظر الساعة الحادية عشر صباحاً بشغف، لأنعم بصوت (سيلفيستر) وهو يصرخ في وجه صاحبه، هذا الكرتون الذي لم أمل مشاهدته، ليس وفاءاً، ولكن لأنه أقصى ما قد أحصل عليه من متعة الصباح.
حين بدأت مواهبي الصغيرة تنبت في وجه الحياة، كنت أرسم بالفحم خلف حائط المنزل الذي لن تستطيع والدتي الوصول إليه لتوبيخي ثم محوه! لدي من الأمل والطموح ما لن يجده طفل الأيباد اليوم.
حيث كل شيء له طعمٌ ولون، الإشتياق للرفقة لا ينغصه صوت الهاتف الذي يبرر عدم الحاجة للقاءات بين الأصدقاء اليوم.
الزيارات لها نكهةٌ ونشوة، إذ لا برنامج ترى فيه الآخرين عبر هاتفك الذكي قبل أن تحصل على مصادفة لقاءهم في الطريق دون موعد.

ماذا فعلت بنا التكنولوجيا..؟
كيف سلبت من كل شيء شكله ولذته؟ لماذا لم تعد للقهوة رائحه؟
أين المفر من وحدة هذا العالم الإفتراضي، الممتلئ بالشخوص الوهمية، الذين لا نعرف منهم إلا بضع كلماتٍ خالية من الصوت والموسيقى؟
أشتاق لركل الحجر الصغير المستجير بحافة الرصيف، للصراخ في وجه العالم،للنحيب على فقد الأيام الخوالي.
هذه التكنولوجيا تحاول أن تحولنا تدريجياً إلى آليّين، لا صوت لهم ولا مشاعر ولا غايات.
كيف نستطيع أن نحمي أنفسنا وأطفالنا وحياتنا المستقبلية من وحشتها وعتمتنا بها؟

غاليه الغامدي

اللوحة / للكاتبة

مقالات ذات صلة

‫20 تعليقات

  1. صدقت أناملك رائعتي.. أصبح شطر كبيرنا للأسف الشديد آليين وممثلين في معظم الأوقات نمثل السعادة وهي هاربه من بين أيدينا ونمثل المتعه وهي مفقودة في المشاهد التي نصورها لأننا لدينا أهداف نريد أن توصلها آلاتنا على ضفة ما ..حيث يقبع من كان سبباً في تجمد مشاعرنا بل كان سبباً في معاناتنا

    1. الإنجراف خلف عتمتة ظلام التقنية .. هو الفوهة التي ربما تغرقنا في وحل الإدمان والتخلف ..

  2. ياغاليه يامن فتحتي نافذه الماضي وادخلتي شعاع الذكريا .

    دائما كنت كالفارس المقدام علي صهوة جواده كر وفر الي ان تنتهي تلك الحرب الضروس من يومي مع التعب او غروب الشمس ..
    تلك اللحظه التي تتحول الي دقائق صمت علي روح يوميا المنصرم ، تحتوي كثير من الذكريات والاحداث التي مرت بك في يومك او ماقبله . نقف علي شٌرفه الذكريات . عاده الي يومنا الحاضر حينما تذهب الشمس الي غسقها كأنها تبعث فينا روح الماضي والحنين اليه …. اصبتي كبد السماء بما نثرتي من ذكريات تعلوها اصوات الوفاء وتحتضنها كلمات الصدق وتزدان جمالاً بطيب الافئده والخوف علي الجار ومحبته وتفقده .
    نثرتي كلمات الممزوجه برائحه الخبز علي التنور جلبتي معك كل ماطاب لي عند جيراني وارسلتي معي كل مالدينا لهم . اما جيل الالكترونيات فليس لديه ذكريات اصلا وهو يجول بين ايطار مضئ بكل كل شي ولكنه يخلو من الروح يخلو من الالفه . منكب علي جهاز متجاهلا اهلي واصحابي . لم تعد حتى الالعاب جماعيه ولا تستدعي ابن جيران لتتشارك معه . استغنينا حتى عن ابوينا .
    اي نعم نرحب بالتقنيه لكنا سرقتنا من انفسنا قبل ابنائنا يجب ان نصبح لهم ( تقنيه ومصدر لتواصل )

    لم انسى كيف كنت مرسالا لكل الاحداث بين ممرات البيوت . لقد اثرتي رماد الذكريات عن جمرا كدت احسبه ترمد
    قد نوختي ركابي عند عتبه الماضي وكيف لي ان انهي تعليقي علي نثرك وذكرياتي لاتنتهي ..

    كالعاده ابداع في الطرح وجمال الاختيار استاذه غاليه
    موفقه والي الامام وتقبلي تطفلي وتطاولي ?

    1. لا نستطيع إلقاء كل شيء ايضاً على عاتق التكنولوجيا .. ونتجاهل إيجابياتها احياناً..
      ولكن الاعتدال مطلب في كل الامور .. والتوازن في الأخذ والعطاء مهم لمواكبة سير الحياة بالطريقة الصحيحة..
      أستاذي احمد / دوماً مداخلتك تثريني …

  3. صدقتِ أيتها الجميله دائماً ..

    في هذا الزمن تحول كل شيء ملموس إلى آله ..

    مبدعه دائماً .. راقيه في كتاباتكِ دائماً .. ملهمه لي دائماً و أبداً ..

    استمري و لا تحرمينا هذا الابداع ..

    دمتِ بحفظ الله ..?

  4. جميل طرحك … غاليتي …
    هو في الأخير قرار نتخذه لأنه سلاح ذو حدين … بقدر ما باعدت بيننا بقدر ما قربت فطيلة العام أشعر أني مع من أحب بشكل جزئي رغم بعد المسافات بيننا … في السابق لنا أيام معدودة فقط ونفترق بالأيام و الشهور والسنين لا نعرف عنهم إلا القليل ولا نشاركهم أفراحهم ويومياتهم و تفاصيل حياتهم التي تسعدنا …
    دمت متألقة بأطروحاتك

    1. كما أسلفت جملتي هابة .. الإعتدال مطلب ..
      وهناك من الأصدقاء من أصبحوا لنا اكثر من أخوة …
      لكن اعتقد أن التجمعات الملموسة فيها رائحة الود وشعور الحميمية … وأن علينا أن نعيد حساباتنا في استخدامنا لكل هذه التكنولوجيا …
      تسعديني دوماً بطرحك وقراءتك هابتي

  5. لكلّ مبدع إنجاز، ولكلّ شكر قصيدة، ولكلّ مقامٍ مقال، ولكلّ نجاح شكر وتقدير، فجزيل الشّكر نُهديكِ وربّ العرش يحميكِ

    أبدعتي??

  6. مقاله في قمة الروعه غاليتي تأخُذنا مابين مد وجزر بين الماضي الجميل والحاظر الجميل ظاهرياً مع وجود الألم في اعماقه التي لانراها لاكن نستشعرها حين يشدنا الحنين لشيئ عرفناه ثم فقدناه ?استمري غاليتي فكلماتك دائماً تلامسني?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى