المقالات

ذكريات أبيض وأسود

أبيض..وأسود..

صورة بديعة لازالت ذاكرتي تحتفظ بها.. يوم أن ذهبت إلى المدرسة كأول اقتحام لي للحياة خارج المنزل.. يوم أتممت بالتمام والكمال ست سنوات، وأذكر أن والدتي – رحمها الله – يومها ألبستني ثوبًا أبيض، وطاقية بيضاء، وكنت لا ألبسهما إلا في العيد أو في صلاة الجمعة بالحرم، وأعطتني حقيبة جلدية سوداء لزوم الكتب.. وكان يومًا مميزًا أذكر أن أبي – رحمه الله- أخذني من يدي مبالغًا في تدليلي وأمي تودعني بنظرة لم تنجح في إخفائها – مليئة بالحب والدموع،وقبل أن نصل أعطاني قطعة نقدية فرحت بها كثيرًا، ثم سلمني لعم حسين حريري مراقبالمدرسة الذي بالغ هو أيضًا بالاحتفاء بي،وفي الفصل وجدت جميع الطلاب متجهمين، كلهم على وشك البكاء، إن لم يكن بعضهم قد بكى فعلًا بصوت منخفض، خوفًا من ذلك الرجل الكبير الذي لا نعرفه،  ننظر إليه كما تنظر القطة الصغيرة للأسد، يقف شامخًا بيده عصا وأسمعهم ينادونه بالأستاذ- لم يكن ذلك إلا المربي الفاضل الأستاذ/ محمد رواس رحمه الله ولم يستخدم تلك العصا قط- وفي وسط الفصل جلست منكمشًاأحتضن شنطتي السوداء لم أعِ شيئًا مما قاله الأستاذ، فقط كنت أشرد بخيالي خارج النافذة…متى أرجع إلى البيت وإلى أمي.. وأفيق من شرودي لألمس تلك الحقيبة السوداء؛ لأتأكد أنها لم تسرق، فقد أوصتني أمي ألا أفقد شنطتي، وألا يتسخ ثوبي الأبيض.

في اليوم الثاني امتنعت عن الذهاب إلى المدرسة، ولم تفلح المحاولات معي إلا حينما وعدني أبي – رحمه الله- بشراء ثوب أبيض جديد، وأعطاني قطعتين نقديتين بدلًا من واحدة، وقال بصوته الذي أحببته لازم تروح المدرسة عشان تتعلم وتصير بطل كبير ومشهور !!… ترى هل صرت.. كما تمنيت يا أبي؟

وبالتدريج انتهت مسألة امتناعي عن الذهاب إلى المدرسة بالإغراء والتدليل تارة، وإظهار الغضب والمخاصمة والوعيد باستخدام العصا تارة أخرى.

 وبالفعل أوفى أبي بوعده، واشترى لي ثوبًا أبيض، لم ألبسه إلا في يوم مميز آخر يوم أن عُدت من المدرسة، وقد مضى على بدئها قرابة شهرين؛ فوجدت  البيت  به حركة غير معتادة، وجميع الأقرباء وأصدقاء أبي موجودون صامتون واجمون… لقد توفي أبي... وأما أشقائي الكبار فقد وجدتهم  في حالة لم أشاهدهم بها من قبل، بعضهم يواسي بعضًا ويمسح دموعه، ولقد برعوا – جزاهم الله خيرًا ومتعهم بالصحة والعافية- في إخفاء حزنهم عني وعن بقية أشقائي،وأغدقوا علينا الكثير من حبهم وعطفهم وعطاياهم، فأذكر أن أخي محمد نور أخذني إلى الحانوت المجاور، واشترى لي كثيرًا من الحلوى التي اعتبرتها ثروة يجب الحرص عليها واخفيها في مكان آمن، وأما أخي إبراهيم فقد ملأ يدي بقطع نقدية ناء كفيّ الصغيرتين بحملها، وأسرعت ودسستها مع الثروة السابقة، وأما أخي محمد علي فقد أعطاني قلمًا أسود كان يحمله في جيبه ويعتز به، لم يكن يحمل مثل ذلك القلم من كان في مثل سني، وصعدت لأرى أمي التي بذلت جهدًا كبيرًا في إخفاء حزنها وهمها؛ فكنت أختلس منها نظرة إشفاق والدمع يملأ عينيها.. إلا أنها فاجأتني فألبستني ذلك الثوب الأبيض الجديد (وطقمّتُ) يومها ثوباً أبيض وقلمًا أسود.. وكأن قدري أن أرتبط بهذين اللونين الأبيض والأسود  منذ الصغر.

ورق أبيض  وحبر أسود  تلك هي (زوّادتي) في رحلتي مع الخط العربي.. فلقد أكرمني رب العالمين بأن تتلمذت على يد الأستاذ فخر الدين رضا، وكانوا يختصرون اسمه فينادونه الأستاذ فخري.. علم من أعلام المدرسة الرحمانية الابتدائية بمكة وأحد أبرز مدرسيها، وبالرغم من قسوته الظاهرة مثل معظم أبناء جيله، إلا أنه يحمل قلبًا عطوفًا حببني فيه وفي الخط العربي، وتعلمت أصول خطي الرقعة والنسخ، ورأت عيني لأول مرة إبداعًا خطيًا ينثره الأستاذ فخري كالدرر (بطبشورة) بيضاء  على (سبورة) سوداءرحمه الله وأسكنه فسيح جناته، ولقد تعلمت منه كيفية تجهيز حبر الكتابة من الحبر الصيني، وهو عبارة عن قطع رقيقة سوداء كقشور البن تذاب في زجاجة صغيرة بماء ساخن، وتوضع عليها الخيوط الحريرية، وأحيانًا يضاف إليها قطرات من العطر لإخفاء رائحة الحبر الكريهة، ويسمى هذا الخليط (الليقة).     

   يبدو أن أمي- رحمها الله- لمست وأنا في تلك السن المبكرة حبي للخط العربي، فكانت لا تسمح لي بالنزول أسفل المنزل- حيث (الدكة) التي يجتمع فيها أشقائي الكبار وأصدقاؤهم في أوقات العصاري من كل يوم-  إلا بعد أن أكتب بالقلم الرصاص، صفحة من القرآن الكريم بخط يجب أن يكون جميلًا مقاربًا لخط المصحف، وكانت تمسح الكلمات، التي كتبتها باستعجال، فظهرت مشوهة لأعيد كتابتها بصورة جميلة، فلم يكن مسموحًا (بالاستعجل)، وأيضًا كان عليّ كتابة ما كنت أتناسى أو أتكاسل عن كتابته من آيات وأسطر، ويجب أن يتم ذلك بإتقان وإخلاص، وكأنها رحمها اللهتكسبني قيمًا أخلاقية مع التدريب الخطي.

 وبعد الانتهاء من المرحلة الابتدائية وانقطعت صلتي بدروس الأستاذ فخري لم يكن أمامي إلا أن أتدرب فرديًا مقلدًا بعض النماذج البسيطة إلى أن انتهيت من المرحلة الثانوية، وأذكر أن خالي د. سالم مليباري أشار عليَّ بعد حصولي على الثانوية العامة بأن أتخصص في مجال الخط العربي وأنه يرى أن في ذلك خيرًا لي،  ولعله لمس موهبة في خطي،  فأقنعني بأن أكون متخصصًا في مجال أُبدع فيه وأكون من الأوائل المتميزين، أفضل من أن أكون متخصصًا في مجال مثلي فيه كثيرون، وبالرغم من أن هذا التخصص ليس مناسبًا للفرع العلمي الذي اخترته لنفسي في المرحلة الثانوية، إلا أنني التحقت بقسم التربية الفنية بجامعة أم القرى عن قناعة بأن في ذلك خيرًا لي،  كما تنبأ خالي جزاه الله خيرًا، ومتعه بالصحة والعافية. 

وفي قسم التربية الفنية أكرمني ربي بأن أكون أحد تلاميذ أشهر أساتذة الخط العربي في الوطن العربي هو الأستاذ محمد أبو الخير -رحمه الله – شيخ أزهري حيي خجول من جيل العمالقة المصريين، كريم، زاهد في الدنيا، ربطتني به عاطفة جياشة وصداقة عميقة، وكانت لنا لقاءات علمية في الجامعة وخارجها، كانت لقاءاتنا مزيجًا من دروس في الخط العربي وأخرى في اللغة والأدب، فنهلت من علمه وثقافته ومما حفظته  ذاكرته، من قصص تراثية، وأخرى اجتماعية،  ومواقف مرت به أو مر بها، يهديني في نهاية سردها خلاصة تجربته منها، كان لا يذكر أحدًا إلا بخير فتعلمت منه ألا أغتاب أحدًا، وكان لا يحب إنجاز العمل – أي عمل- بسرعة وعدم إتقان،  فتعلمت منه الصبر والإخلاص في العمل،  وغير ذلك كثير من القيم الأخلاقية  تعلمتها منه جنبًا إلى جنب، مع القيم الفنية والجمالية في الخط العربي.. رحم الله شيخي أبا الخير؛ فقد كان له من اسمه نصيب كبير، ومهما ذكرت في حق هذا الرجل من عبارات الثناء والاجلال، لن أوفيه حقه، ولا يجازيه عني إلا الله عز وجل– بأن يغفر له ويرحمه ويجعل ما علّمه لي، وما سوف أعلمه لطلابي وما سوف يعلمونه لطلابهم، علمًا نافعًا مثابًا عليه إن شاء الله.

نضج فني..

وتعد دراستي الجامعية ومرافقتي للأستاذ أبو الخير مرحلة  جديدة في رحلتي مع الخط العربي مرحلة النضج الفني، ومنها أصبح لي توجه مميز أثمر في مرحلة الدراسة العُليا عن أطروحة للماجستير بعنوان  القيم الفنية والجمالية في الخط العربي، وكانت أول رسالة ماجستير تمنح في التربية الفنية في المملكة العربية السعودية، وأول رسالة علمية تتناول الخط العربي كقيمة جمالية تراثية، أشرف عليها أستاذنا د.احمد الغامدي في الجوانب العامة لهيكل البحث وتنظيمه،  وشاركه الشيخ محمد أبو الخير  في الإشراف على الجوانب الفنية، وتناولت الدراسة الأسس الفنية التي تبنى عليها اللوحة الخطية في جميع أنواع الخط العربي كالثلث والنسخ والكوفي والفارسي والديواني والرقعة وغيرها؛ فساهمت هذه الأسس في تحديد معايير الجمال في تذوق الأعمال الخطية، ثم تلى تلك الرسالة، مؤلف وفقني الله لإخراجه بعد الماجستير مباشرة، وهو عبارة عن كتاب تعليمي عن الخط العربي الكوفي، ثم اُبتعثت إلى مصر للحصول على الدكتوراة، فتناولت الأطروحة العلاقة المتبادلة بين العلم وتطوراته والمعطيات التكنولوجية الحديثة مثل الحاسب الآلي  وغيرها، والخط العربي كقيمة تراثية، ثم قمت بإنتاج عدد كبير من الأعمال الخطية شملت جميع أنواع الخط العربي؛ وخاصة الكوفي والديواني والفارسي والنسخ، وعدد كبير من الأعمال الفنية التشكيلية المستلهمة من الخط العربي، وما عُرف بالاتجاه (الحروفي) في الفن التشكيلي،  ومازلت إلى الآن أنتج تلك الأعمال الخطية، بأسلوب يتجدد بتجدد المعطيات التكنولوجية الحديثة.. وأما المشاركات الفنية فقد شاركت في كثير من المعارض والمهرجانات الخاصة بالخط العربي، بأعمال فنية، وورش عمل، ومحاضرات، في مصر وتونس والمغرب،والإمارات واليمن وكوريا الجنوبية.

إنتاج علمي..

وخلال سنوات البعثة الدراسية، ساهمت مع أشقائي الخطاطين المصريين في تأسيس الجمعية المصرية العامة للخط العربي، التي يرأسها الصديق الخطاط الشهير مسعد خضير، وبعد العودة من البعثة وفقني الله عز وجل في تأسيس الجمعية العلمية السعودية للخط العربي وتأسيس الجمعية العلمية السعودية للتربية الفنية بجامعة أم القرى، وكذلك قمت بتأسيس مركز الخط العربي بجامعة أم القرى، ليكون  أول مركز جامعي لتعليم الخط العربي على مستوى العالم، وقمت بإلقاء بعض المحاضرات في أكثر من دورة من دورات معرض الرياض الدولي  للكتاب، وفي عدد من المؤسسات التعليمية داخل المملكة وخارجها كأندونيسيا وتونس وغيرهما، وأسست مسابقة إقليمية بأندونيسيا أسميتها مسابقة أم القرى للخط العربي، وترأستُعددًا من لجان التحكيم للمسابقات الخاصة بالفنون التشكيلية والخط العربي بكل من وزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة والإعلام، ولقد وفقني الله -عز وجل- بتأليف عدد من الكتب والأبحاث العلمية منها:

1. جماليات الخط العربي الكوفي.
2. أهمية الفنون التشكيلية في خدمة البيئة المحلية.
3. توظيف الخط العربي في تصميمات جمالية مستخدمة.
4. تنوع إبداعات الخط العربي وعلاقته بتقنيات الحاسب الآلي.
5. مدى الاستفادة من الحاسب الآلي في ممارسة الخط العربي.
6. دراسة مقارنة للأساليب المتبعة في تصميمات الخط العربي.
7. جمالية التشكيل بالخط العربي في أعمال الفنان باجنيد.
8. التراث الإسلامي كأحد مصادر الإلهام في الفن الحديث.
9. تأثير جماليات الخط العربي في الإعلان.
10. الخط العربي.. التاريخ والجماليات.
11. الخط العربي الدارج ومعايير الحكم عليه وعلاقته بالسمات الشخصية.
12. محمد طاهر الكردي المكي.. خطاطًا ورسامًا.
13.  لفظ الجلالة على الأحجار الشاهدية بمكة المكرمة في القرن الثاني الهجري والاستفادة منه في ابتكار تصميمات زخرفية معاصرة.

وتقلدت عدة مناصب أكاديمية وإدارية في الجامعة مثل:

1. وكيل كلية التربية بجامعة أم القرى.
2. وكيل عميد شئون الطلاب.
3. المشرف التنفيذي على برنامج الدراسات العليا المسائي.
4.  وكيل كلية التربية للاعتماد الأكاديمي والجودة.
5. وكيل عميد القبول والتسجيل.
6. رئيس قسم البرامج بكلية خدمة المجتمع.
7. رئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للخط العربي.

 

قبل ستة أعوام من كتابة هذه السطور، قامت جمعية الثقافة والفنون بجدة مشكورة،  بتكريم عدد من الرواد في مجالات الثقافة، مثل الشاعر الكبير الأستاذ إبراهيم خفاجي، والأستاذ القدير الموسيقار جميل محمود،  وعدد آخر من الرواد في المجالات الثقافية المختلفة، وكنت من ضمن المكرمين كرائد ٍ من رواد الخط العربي.. وفي ذلك الحفل،  كنت جالسًا بجوار الموسيقار المبدع الأستاذ طارق عبد الحكيم، وكنا نتجاذب أطراف الحديث، فذكرنا أهمية التكريم وأثره على مسيرة المبدع، وقلت له: إنني أعد نفسي من المحظوظين من أبناء جيلي، إذ كرُمت مع هؤلاء العباقرة، في حين لم أقدم الكثير، مقارنة بما قدموه،  فقال لي: (حين عملت في تخصصك وأنجزت ما أنجزته، لم يكن يدور بخلدك متى تكرّم، ولم تسع إلى الوهج الإعلامي الذي يتهافت إليه الكثير، فجاءك التكريم لعندك، واحرص يا عبدالله على نعمة التواضع، التي هي سر تألق المبدعين)... كلمات من ذهب أهديها إلى الشباب والشابات الطامحين من أبناء وطني الحبيب.

ثم تكللت مسيرتي المتواضعة في العام الماضي؛ إذ كرَّم معالي وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبد العزيز خوجة في حفل افتتاح الدورة الثامنة لمعرض الرياض  الدولي الكتاب؛ عشرة من رواد الخط العربي  كنت أنا من بينهم..

كل ما ذكرته من إنجازات كانت بفضل الله وحده المعطي الوهاب  ليس لي فضل إلا أنني حاولت أن أكون مخلصًا محبًا لعملي ولتخصصي، “مشيناها خطى كتبت علينا   ومن كتبت عليه خطى مشاها”.. اللهم اغفر لي ولوالديّ وسامحهما وتجاوز عن سيئاتهما، واغفر لأساتذتي وكل من له فضل عليّ، واجعل عملي خالصًا لوجهك الكريم، وصلى الله وسلم على النبي الكريم.

‫2 تعليقات

  1. سيره جميله وعطره لفنان ومبدع اتمنى لك التوفيق استاذي العزيز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: