الثقافيةصالون مكة الأدبيمنتدى القصة

“مقهى ومطر” قصة قصيرة للكاتب عزت الخضري

فوق الرصيف ، لصق نافذة المقهى ، يقف مُنكمشًا على نفسه يرتجف، يحمل فوق ظهره حقيبة مدرسية ويضم ذراعيه بقوة على

 صدره ،فُتِح نصف النافذة ودعاه رجل للدخول …

كان الجو قارصًا والمطر غزيرًا و الرصيف بحيرة …

دخل بخطوات مُترددة ، وجال بعيون مدهوشة داخل المقهى المُعبأ

 بدخان السجائر ، المزدحم برواد أكثرهم من الشباب …

مَن فتح النافذة ودعاه للدخول , رجلٌ متوسط الحجم يبدو في منتصف 

العمر ، كان غارقًا في صمته يحدق في الفراغ ،حين مال الجالس بالقرب 

منه برأسه ناحيته ، وهو عجوز قصير القامة ،مُترهل الجسد ،ذو عوينات

 طبية سميكة ، وسأله بعد أن طوى الجريدة التي يقرأ فيها :

ـ هل قرأت جريدة اليوم ؟

 عاد من رحلة خيالاته ، ورمقه وأومأ برأسه نافيًا القراءة …

أردف الآخر قائلًا : 

تقول الجريدة أن الجو اليوم صحو ولا فرصة لسقوط أمطار…

حدق به ، ومال برأسه ناحية النافذة الزجاجية المغلقة , كان المطر قد زاد 

هطوله بعد أن أرعدت السماء وأبرقت ، هنالك لمح الطفل خلف النافذة …

وضع كرسيًا بينه وبين المُمسك بالجريدة ودعاه للجلوس ونادى على 

الجرسون , وسأله بصوت حنون : تحب تشرب إيه ؟

طارت نظرات عينيه وحطت على كوب سحلب فوق طاولة تجاورهم. 

 لحظات وكان الكوب الساخن بين كفي يدي الولد ،يرتشف منه رشفات

 سريعة حتى أفرغه ورفعه لأعلى ليسقط في فمه حبة زبيب مُستقرة 

بالقاع، أشرق وجه الطفل وتلفت ينظر حوله بفرح طفولي …

المقهى مليء بمرايا من النوع الفاخر على أعمدة مزدانة ،وديكورات فاقعة 

الألوان في السقف والأركان ، وعلى الجدران التي امتلأت بكثير من آيات 

قرآنية ،وصورًا لفنانين ولاعبي كرة قدم محليين وأجانب ،وصور رؤساء 

مصر السابقين عدا ” الرئيس المنتمي للجماعة المحظورة”، وفي الواجهة 

صورة أكبر حجمًا بإطار ذهبي للرئيس الحالي ، وفي المنتصف صورة 

قديمة للجد مؤسس المكان , الذي كان في بدايته ورشة لتصنيع الأثاث  

قبل أن يُصبح معرضًا للموبيليات معروفًا ، تقصده العرائس من 

مُدن قريبة وبعيدة .

تعرض الشاشة المُعلقة على الحائط فيلمًا لإسماعيل ياسين ، يتابعه عجوز

 يجلس قريبًا من الشاشة ، يغِط في نومه ،ثم يصحو بشكل مفاجئ 

ويضحك أيًا كان المشهد المعروض .

في إحدى نوبات صحوه كان المشهد لمقرئ يقرأ القرآن .

الكثير من رواد المقهى داخل أسوار عُزلتهم منكبين على هواتفهم النقالة . . .

يوجد رهَط يتحلق حول مباراة في الدومينو ، وآخر حول مباراة في الطاولة 

وآخر حول طاولة لعبة الورق ، وجميعهم يهللون ويصرخون ويضحكون ،

 أما طاولة الشطرنج فيُخيم عليها الصمت .

وهناك المُتجهم و الغارق في صمته ، ومن يتحدث حديثًا هامسًا ، ومسموع 

الحديث ، ومن يجري حديثًا مع نفسه أو مع شخص في مُخيلته ،ومن تجلت

 في عينيه نظرة من يلوذ بعالم بعيد ،ومن تظنه نصف نائم وهو شديد التيقظ .

سأل الطفل الرجل :

ـ لما المقهى مزدحم في هذا الوقت من النهار ؟ واليوم ليس عُطلة ! وليست 

هناك مباراة هامة في كرة القدم !… 

 أتراهم مُختبئون من المطر؟!…

ابتسم الرجل وربت على كتفه ولم يرُد …

مَد يده وأمسك الجريدة المطوية فوق الطاولة ،وبدأ يُقلب صفحاتها ، كان 

العجوز قد أسند رأسه على الحائط ونام . طوى الجريدة بعد أن شاهد صورها 

وأعادها حيث كانت ، أطل على الشارع كان المطر قد توقف .

 هم بمغادرة المقهى , صدمه شكل حذائه وقد علق به الوحل من أعلى 

ومن الأجناب .

 بدأ يُقطع صفحات الجريدة ويمسح حقيبته المبللة ،وانحنى ليزيل الوحل

 العالق بحذائه ،انتهى من تنظيف الحذاء ، وانتهت صفحات الجريدة واستقرت 

قطعًا صغيرة موحلة في سلة المهملات ،ودعَ الرجل وخرج من الجو المكتوم 

المُفعم بالأدخنة والضجيج إلى الشارع البارد وهو يرنو إلى السماء الغائمة …

توقف وألقى نظرة داخل المقهى ثم انطلق مُسرعًا حتى ابتلعه الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى