الثقافية

النقد الأدبي بين التحديات ومواكبة الحركة الإبداعية

تحقيق: إبراهيم أحمد أردش
لا غنى للإبداع الأدبي عن النقد، فالنقد دور كبير في متابعة العملية الأدبية وإبراز جمالياتها وتقريبها من المتلقين، لذلك تظل الكتابة النقدية صنو الكتابة الأدبية لا غنى لإحداهما عن الأخرى، لكن النقاد متهمون غالبًا بالتقصير، والنقد متهم أنه لا يواكب الحركة الإبداعية من جهة وصعوبته من جهة ثانية وأحيانا سطحيته من جهة ثالثة، ما أسباب ذلك؟ هل الناقد تقابله تحديات وعقبات، هل النقد الأدبي في أزمة؟ وماذا يريد المبدع والقارئ من الناقد؟ في هذا التحقيق حاولانا الإجابة عن أسئلة وقضايا، مثل: الناقد بين المجاملة والحياد وثنائية النقد والكتابة الأدبية وهل يؤثر الناقد في الإبداع الأدبي؟ والخلط بين الكتابة الأكاديمية والكتابة الموجهة للصحف والنقد في عصر التحولات الرقمية وقد توجه التحقيق بهذه الأسئلة إلى طائفة من أساتذة النقد الكبار بالجامعات المصرية والنقاد الجدد والمبدعين والقراء لمعرفة آرائهم.

يقول الناقد الأستاذ الدكتور محمد سيد علي عبدالعال، أستاذ الدراسات الأدبية والنقدية وكيل كلية الآداب بالعريش للدراسات العليا، ومدير مركز التعليم المدمج.
إن ثمة مقولة شائعة تفيد بأن النّقد تابع للعمل الأدبيّ ، وأنه أدبٌ وصفي يلي الأدب الإنشائيّ ويتبعه، وظلّت خصومة مضمرة ومعلنة بين الأدباء والنّقّاد، وسمعنا أدباء كبارًا يقولون: إنّهم لم يفيدوا من نقد النّفّاد في حياتهم، وإمعانًا في التّقليل من دور النّاقد قيل: إنّه مبدع فاشل، ولعلّنا نذكر موقف حسّان حين قال للنّابغة الذي فضّل الأعشى عليه؛فقال مغاضبًا:”والله لأنا أشعر منك ومن أبيك ومن جدّك! “.
يضيف”لكن المتأمّل جيّدا لتاريخ الإبداع بشقيه المتكاملين يجد أنّهما متكاملان لا متلاكمان؛ فلا أحد ينكر أنّ مقولة ابن رشيق عن المتنبي: إنه ملأ الدنيا وشغل النّاس كانت أعظم الجمل التّسويقيّة من ناقد لأديب بمعايير سوسيولوجيا الأدب”.
ويستطرد حديثه”من ينسى موقف النَّاقدِ الأَلْمَانِيّ العظيمِ “لسنج الذي أُعْجِبَ بشِعرِ شِكْسِبير إِعْجَابًا نقلَ هذا العَبقَرِيَّ الأشهرَ إلى مَوضعِ الصَّدَارةِ بَعدَ ثَلاثَةِ قُرُونٍ ظلّ فيها مَغمُورًا، ومُعاصِرَاهُ “مَارلُو” و”بن جنسُون” مُقدَّمَانِ دونه.
ولاتَثرِيبَ فالأديب الأَلْمَانِيّ الأمريكيّ تشارلز بوكوڤسكي (1920-1994م) جَاءَتْهُ الشُّهرةُ في آخِرِ حَياتِهِ بعد مقال نقدي لناقدٍ كشف فيه أسرار عبقريّته بَعدَما عانَى زمنًا طويلًا من الفَقْرَ والشَّظَفَ والسُّكْرَ والعَربَدَةَ.
ولعلّنا نذكر تأثير مقال سيد قطب في الإشارات الأولى لعبقريّة نجيب محفوظ في فترة تجلي قطب الأولى قبل أن ينجرف في تيار التّطرّف الأعمى”.
يوضح عبدالعال “قد يعتقد قارئ أنّ هذه الأمثلة كلها تدخل في إطار تسويق النصوص المعروف في سوسيولوجيا الأدب، وقد راج من خلال سنّة المقدمات النّقديّة التي قدّم بها النّقّاد المبدعين إلى القرّاء كاشفين اللّثام عن مكانتهم المستحقّة، والأمر ليس هكذا فمن يقرأ تاريخ التّمليط في تراثنا يعرف كيف كان النّاقد يأخذ بيد الأديب حين يقول أمامه نصف بيت ويطلب منه إكماله، ويقيّم عمله، ويتبادلان الأدوار حتى يصير المبتدئ مبدعًا، ولا ينسى دور النّاقد العربي الكبير للشّاعر الأشهر أبي نواس حين وجّهه إلى دروب الشّعر الأولى بالحفظ والنّسيان حتّى تختمر المعاني وتكتمل الأدوات، وتخرج تارةً أخرى محملة بعبق الشّعريّة المتفرّدة التي صارت علامة في الشعريّة العربيّة”.

النظرية النقدية والتعامل مع النص الرقمي

أما عن تحديات الناقد في العصر الرقمي فيقول الدكتور منتصر نبيه أستاذ الدراسات الأدبية والنقدية المساعد بكلية دار علوم جامعة المنيا: لقد تغيرت الأدوات والآليات التي اعتمد عليها النقد الرقمي عن التقليدي… فالناقد عليه أولا من التسلح بالمعرفة التكنولوجية، حتى يستطيع مواجهة ذلك الطوفان الرقمي. ويكون على قدر كبير من الوعي بآلياته وأشكاله المتنوعة. فإذا كنا نتعامل مع إبداع يكتب ويؤلف ويقدم من خلال وسيط رقمي؛ فالأحرى أن نتعامل معه بأدوات تناسبه. هذا يقودنا إلى التساؤل الذي يضع النظرية الأدبية التقليدية موضع الجمود والعجز….هل النظرية النقدية الآن قادرة على التعامل مع النص الرقمي في ظل تداخل الأجناس والفنون والانواع الأدبية؟ ويضيف نبيه: على الناقد أن يؤمن أولا بأن الرقمنة غيرت من طبيعة الأدب شكلًا ومضمونًا…. وأن الانطباع النقدي الذي كان يتركه على الورق تجاه نص ما استبدل الان بالتفاعل والتقليب والإبحار، كل ذلك يحدث بشكل مادي وملموس.
أما عن تحديات الناقد في ظل الرقمية فيقول: ولعل من أبرز التحديات التي يواجهها الناقد الآن أنه أصبح يتعامل مع كل نص بفرادة مستقلة…فلم تعد القواعد والمعايير الثابتة تصلح مع كل النصوص الرقمية… إذ إن لكل نص طبيعته وسماته، بل يزداد الأمر صعوبة عندما يواجه الناقد نصًا غير مكتمل، أو بالأحرى عليه أن يراقب تدخل المتلقي الافتراضي في النص… لأن كل متلق يسلك طريقا مغايرا داخل النص عبر إضافاته وتعليقاته واختياراته المتعددة.. ومن يثم نجد أنفسنا في كل مرة أمام نص جديد ومغاير.. لا يخضع للأعراف والقواعد.
وعن ثقافة الناقد في العصر الرقمي يوضح: لم يعد الناقد الرقمي أيضا في العصر الرقمي يقتصر على فن الأدب فقط… بل لابد له من معرفة واسعة بالرسم والموسيقي والمسرح والسرد والشعر وكافة الفنون والاجناس… ذلك أن النص الرقمي أصبح مزيجا من فنون عدة…. ووسائط متنوعة.
إيمان غالي: كل من الكاتب والناقد يحتاج إلى الحياديّة على حد سواء
أما عن موقع الناقد بين المجاملة والحياد فتقول الدكتورة إيمان غالي الناقدة ومدرب اللغة العربية المعتمد بمركز تعليم الكبار جامعة عين شمس: هناك سجال دائم بين أمرين الحق بغرّة أحدهما بيّن, فنقد العمل الأدبي هو بمثابة الفن الموازي لإبداع هذا العمل, لذا فكل من الكاتب والناقد يحتاج إلى الحياديّة على حد سواء؛ فالكاتب يحتاجها لتنقيح عمله وتهذيبه؛ ومن ثمّ تطوير تجربته الإبداعية في المستقبل, والناقد في طريقه للكشف عن جماليات النصوص وبُناها, هو أول منْ يصادف لآلئ وكنوز هذا النص, فيبني بها وعليها مكتوبه ـ وما عصارة الورد سوى العطرـ لذا فحين يدور الحديث عن الإبداع يجب أن تختفي المجاملة من المشهد؛ لمصلحة الطرفين معًا, إلا أن الحادث ـ أحيانًا ـ على الغير من ذلك, حيث تقع المجاملات بالوسط الثقافي على وجهين, الأول؛ من الناقد تجاه الكاتب , بادعاء الجمال في نص ليس فيه, والثاني؛ من جهة مؤسسات النشر إلى الناقد بنشر أعمال ليست على المستوى المطلوب نقدًا, ثم تضيف: والمتحكّم في الأمرين وسيرهما على هذا الشكل غير اللائق عوامل عدة, من بينها ـ بل في مقدمتها ـ العلاقات الاجتماعية من صداقة ومصالح مشتركة بين أطراف المعادلة الثلاثة (الناقد والكاتب وجهة النشر) أو أن العلاقة على العكس من السابق, فهي على غير ما يرام, فيتجاهل كل منهما إبداع الآخر ووجوده, مما يؤثر في النهاية بالسلب على الحركة النقدية ودورها الرئيس في تطوّر الآداب والفنون.
وفيما يتعلق بالتحديّات المعاصرة للناقد، تقول غالي: هي كثيرة وملتبسة, وتربطها جميعًا ببعضها البعض علاقة السبب بالنتيجة, ولكن إن حاولنا تسطيرها في نقاط, سنجدها تدور حول مواجهة النقّاد لـ(لمناهج والمدارس النقديّة المستوردة/إشكالية تجنيس الأعمال الفنيّة الحداثيّة/ممارسة غير المختصّين للنقد/أزمة عدم الثقة المتوارثة بين النقّاد والكتّاب/امتلاك كوادر نقدية لا يتم تبنيها لتأسيس نظريات ومدارس نقديّة عربية/ تعطيل البحث العلمي وإثقال كاهل الباحث الأكاديمي بالمادة/ الفائض الأدبي في مقابل الناتج النقدي الأقل) وعليه؛ تبدأ الاتهامات المتبادلة بالجملة بين جميع الأطراف, فالكاتب يرى ناقد اليوم على غير المسؤولية من تناول أعماله ومنْجَزه بالدراسة, والناقد يرجئ الأمر لتهميش مؤسسات النشر للدراسات النقدية التي تحمل أسماء مبدعين شباب جدد ـ وإن كانت مُسْتحقّة ـ مما جعله يتناول في دراساته النقديّة أعمال المبدعين السابقين؛ لضمان الاهتمام والنشر, والمشكلة الأحدث في الأمر هي محاولة الكتّاب الاستعاضة بمواقع التواصل الاجتماعي لنشر أعمالهم, وتلقي آراء الجمهور حولها على أنها نقد, وهو بكل تأكيد حلٌ غير صائب لتعويض دور الناقد الحقيقي, فجمهور (الفيسبوك) مثلًا إن امتلك بعضه ذائقة تقييم العمل الفني جيده من غيره, فهو غير ممتلك للأدوات النقديّة الإجرائية لمعالجته معالجة علمية, فيكون النقد حينها نقدًا انطباعيًا شخصيًا, لا يخلو أحيانًا من المجاملة.

إبراهيم المطولي: أشعر أن النقد صار كالعلوم المغلقة على أهلها

طرح التحقيق سؤالين على الروائي والقاص الأستاذ إبراهيم المطولي بصفته مبدعًا وقارئًا وهما: لماذا يعزف المبدع عن قراءة النقد؟ وماذا يريد القارئ من الناقد؟ فكانت الإجابة: النقد حسب معرفتي له أصول عربية كان فيها مندمجًا مع البلاغة ولكنه لم يتطور بالشكل الكافي, لذا استورد رواد الأدب الحديث النظريات النقدية الغربية, وهي مدارس –حسب رأيي على الأقل– بها الكثير من المصطلحات والتراكيب الصعبة وتحتاج لمتخصص لفهمها, حتى إنني أشعر أن النقد صار كالعلوم المغلقة على أهلها وليست لعموم القراء, خصوصا مع هؤلاء النقاد المولعين بالمصطلح، حتى إن الكثير منهم يكتبه مرة بالعربية وبجوارها بالإنجليزية, مع أن القارئ العربي لا يحتاج للفظة الإنجليزية والقارئ الإنجليزي لن يصل إليه هذا الكتاب. وإذا كان النقد بالأساس كان جلوس رجل بالسوق لفصل العملات النقدية الحقيقية من تلك المزيفة؛ فأنا كقارئ أتوقع من الناقد أن يبين لي مناطق القوة والضعف في النصوص ويعطيني مفاتيح لفهم النص الجديد لاستمتع اكثر وأتعمق اكثر في النص.. لا أن يغرقني بمصطلحات ونظريات لا قبل لي بها.

عبد النبي عبادي وسائل التّواصل الاجتماعي لعبت دورًا سلبيّا فيما يتعلّق بالنّقد الأدبي

يقول الأستاذ عبد النبي عبادي وهو شاعر ومسرحي وناقد: النقد يواجه أزمة مصير في مُجتمع يُعاني أزمةً مُزدوجة في تلقّي النّقد؛ فمن ناحية يراهُ بعضُ المثقفّين وثلّةٌ من مُزيفي الإبداع تَرفا، بل يذهب بعضُ من يدّعون الإبداع أبعد من ذلك ويعتبرون “النّاقد” كاتبا فشِل أن يكون “مُبدِعا”! نعم والله هكذا سمعتُ وقرأتُ لبعضِهم كما أن جانبا من النّقّاد يجهلون دورهم ولا يتجاوز فهمهم للنّقد عتبة تفسير النصّ. ومن ناحية أُخرى فقد جرى “شيطنة” للنّقد في المُجمل باعتباره ترصّدا وتآمرا وهدما لمجهود الآخرين في أي مجال. وقد يرى البعضُ أن النّقد كلامٌ لاحقٌ يُقال على كلامٍ سابقٍ ويعتبرون هذا ترتيب قيمة في حين أنّه ترتيب ظهور وليس ترتيب قيمة.
وفيما يخص الجمع بين الإبداع والنقد يضيف العبادي: أمّا أن يكونُ المُبدعُ ناقدا فهذا تحدٍ كبير لأنّ النّقد قد يُقيّد حُريّة المُبدع في الكِتابة إذا ظَهر أثناء عملية الكِتابة وليس بعدها لكن ينجو من ذلك المبدعون الذين يمتلكون وعيا كبيرا بطبيعة الإبداع والنّقد فيستطيعون استغلال يقظة النّاقد أثناء صياغة العمل الأدبي فيخرج بصورة لائقة بدلا من أن يقف النّاقد عقبة في طريق المُبدع. والنّقدُ- كالإبداع- بحاجة إلى “الخيال” الذي يُحلّق بالنّاقد فوق كتِفي المُبدع، فيرى النّاقد الحقيقي أبعد مما رأي المُبدع. ثم يؤكد العبادي ويقول: ولا يجبُ أن ننسى أن وسائل التّواصل الاجتماعي لعبت دورا سلبيّا فيما يتعلّق بالنّقد الأدبي، فقد غَلَب النّقد الصّحفي العابر على النّقد المنهجي المكين، وصار كثيرٌ من المُبدعين يُطلقون وصف “النّاقد” و “الناقد الكبير” بشكل مجَاني على كثيرين لمُجرّد أن نصوصهم راقت لكُتّاب كتبوا عنها. لابد أن نأخذ بعين الاهتمام “السياق” الذي يبزغ فيه “النقد”، فلا نقد “موضوعي” ولا نقد “منهجي حقيقي” في حضور “وسائل التواصل” لأنها تضع “الناقد” و “المبدع” في سياقات متناقضة ومبعثرة وتخرج عن فضاء النقد والإبداع الأدبي إلى مساحات التشفّي والمُكايدة والتنطّع الأيديولوجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى