تمر القضية الجنوبية اليوم بمرحلة مفصلية تتطلب أعلى درجات التعقل السياسي ، إذ يقف الجنوب أمام فرصة نادرة للانتقال من منطق الصراع إلى منطق الحل ، ومن حالة الاستقطاب إلى أفق الشراكة. غير أن دعوات التصعيد في الشارع ، التي تتجدد كلما اقتربت مسارات التوافق من الاكتمال ، تثير مخاوف حقيقية من إعادة إنتاج الأزمة بدل معالجتها.
لقد أثبتت التجربة أن التصعيد لا يبني موقفًا سياسيًا مستدامًا ، بل يضاعف الانقسام داخل الصف الجنوبي نفسه ، ويحوّل القضية من مشروع وطني جامع إلى ساحة تجاذب بين قوى متنافسة. وعندما تُدار الخلافات خارج الأطر السياسية الجامعة ، فإن نتائجها تكون غالبًا عكسية ، مهما بدت شعاراتها جذابة.
في هذا السياق ، تبرز رعاية المملكة العربية السعودية للحوار الجنوبي–الجنوبي بوصفها نقطة تحول مهمة في مسار القضية. فالحوار الشامل، الذي يضم مختلف المكونات ، ويقوم على ضمانات تنفيذ واضحة ، يشكّل المدخل الأكثر واقعية لحل عادل ومتوازن ، ويمنح الجنوبيين فرصة تاريخية لصياغة رؤيتهم بعيدًا عن الإكراه أو منطق الغلبة.
اقتصاديًا ، لا يمكن إغفال التحسن الذي شهدته بعض الخدمات الأساسية ، والذي شعر به المواطن الجنوبي بشكل مباشر ، على الاقل في ملف الكهرباء وتحصيل الإيرادات العامة بشكل افضل وتحويلها إلى البنك المركزي. هذا التحسن ، وإن كان جزئيًا، يمثل مكسبًا ملموسًا ، ويؤكد أن الاستقرار السياسي ينعكس مباشرة على حياة الناس. وأي تصعيد في هذه المرحلة يهدد بتقويض هذه المكاسب ، ويعيد الاقتصاد إلى دائرة الفوضى التي عانى منها المواطن طويلًا.
أما أمنيًا ، فإن الشارع المعبأ بالتوتر لا يصنع أمنًا ، بل يفتح الباب أمام الاختراقات والصدامات ، ويجعل الجنوب ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. إن الحفاظ على الأمن لا يتحقق عبر استعراض القوة ، بل عبر تعزيز سلطة الدولة ، وتحييد الخلافات السياسية عن الشارع ، وحصرها في أطر الحوار والمؤسسات.
من هنا ، فإن دعوات التصعيد التي تُطرح اليوم لا تخدم القضية الجنوبية بقدر ما تخدم مصالح ضيقة ، تتعارض مع مصلحة الجنوب في الاستقرار والحل المستدام. فالقضية الجنوبية أكبر من أي شخص أو كيان ، وأعمق من لحظة سياسية عابرة ، ولا يجوز اختزالها في ردود أفعال أو صراعات نفوذ.
وفي هذه اللحظة المفصلية ، تقع مسؤولية تاريخية على عاتق النخب السياسية والإعلامية الجنوبية ، بأن تتقدم الصف، وتواجه خطاب التصعيد ، وتتحمل واجبها الوطني في حماية القضية من الانزلاق إلى الفوضى.
كما أن هذه النخب مطالبة باستثمار الموقف الإيجابي والمسؤول للمملكة العربية السعودية ، والقريب من تطلعات شعب الجنوب وخياراته الحرة ، وتحويله إلى فرصة سياسية حقيقية تفتح الباب أمام حل عادل ومستدام ، يعيد للجنوب مكانته ، وللقضية مسارها الصحيح.
فالجنوب اليوم لا يحتاج إلى أصوات أعلى ، بل إلى عقول أعمق ، وإرادة وطنية شجاعة تختار طريق الحوار والدولة ، لا طريق التصعيد.
0
