المقالات

التعليم كأداة قانونية وثقافية لمكافحة الكراهية وتعزيز التفاهم بين الشعوب

بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الاسلاموفوبيا – 15 مارس
•  مبادرة برنامج العمل الإسلامي للتسامح بين الشعوب من خلال التعليم.

———————————–

يُشكل التعليم أحد أهم الأدوات الاستراتيجية في بناء ثقافة التسامح وتعزيز التفاهم بين الشعوب، كما يُمثِّل ركيزة أساسية في مواجهة خطاب الكراهية بمختلف أشكاله، بما في ذلك الكراهية الدينية والثقافية. وفي هذا السياق، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 76 – 254 الذي أعلن أنّ 15 مارس يومًا دوليًا لمكافحة كراهية الإسلام، داعيًا الدول والمنظمات الدولية إلى اتخاذ تدابير تعليمية وثقافية لتعزيز الوعي بمخاطر الكراهية الدينية. كما اعتمدت اليوم العالمي لمكافحة خطاب الكراهية في 18 يونيو من كل عام، تأكيدًا على ضرورة تطوير آليات وقائية ومؤسسية للتصدي لهذه الظاهرة التي تُهدِّد السلم الاجتماعي والتَّعايش الإنساني.
ويؤكد الإطار القانوني الدولي لحقوق الإنسان على هذا التَّوجه؛ إذ تنص المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “جميع الناس يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق”، كما تنص المادة الثانية على ” حظر التمييز على أساس الدين أو الأصل أو الثقافة “. كذلك تنص المادة العشرون من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) على ضرورة حظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية بموجب القانون، إذا كانت تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.
وفي هذا الإطار، يبرز التعليم بوصفه وسيلة وقائية طويلة المدى لمعالجة الأسباب الجذرية لخطاب الكراهية، حيث تؤكد تقاريرالأمم المتحدة واليونسكو أن إدماج قيم التسامح والتعددية الثقافية في المناهج التعليمية يسهم في بناء مجتمعات أكثر استقرارًا وانفتاحًا، ويعزز قدرة الأفراد على التعامل مع الاختلافات الدينية والثقافية بطرق إيجابية. وقد أثبتت التجارب الدولية أن التعليم التفاعلي والتبادل الأكاديمي بين الثقافات المختلفة يعدان من أكثر الوسائل فاعلية في تفكيك الصور النمطية ومواجهة خطاب الكراهية.
وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم تناميًا ملحوظًا في مظاهر الإسلاموفوبيا (كراهية الإسلام) في بعض السياقات السياسية والإعلامية، يصبح من الضروري تطوير مبادرات تعليمية عالمية تسهم في تعزيز الفهم الصحيح للثقافات الإسلامية، وتدعم قيم الحوار والتعايش بين الحضارات. وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها لعام 2022 المتعلق بمكافحة الإسلاموفوبيا أن مواجهة الكراهية الدينية تتطلب تعاونًا دوليًا يشمل التعليم والإعلام والمؤسسات الأكاديمية.
وفي المقابل، يواجه العالم الإسلامي مجموعة من التحديات في مجال التعليم العالي، تتمثل في تفاوت جودة التعليم بين الدول، وضعف التنسيق بين الجامعات، ومحدودية البرامج الأكاديمية المشتركة، فضلًا عن تأثير الانقسامات السياسية والطائفية التي أسهمت في إضعاف التكامل العلمي والثقافي بين المجتمعات الإسلامية. كما أن انتشار بعض الخطابات الإعلامية الموجهة التي تضخم الخلافات وتغذي النزاعات الثقافية يزيد من الحاجة إلى مبادرات تعليمية عابرة للحدود تعزز التقارب بين الشعوب الإسلامية.
وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في تعزيز التعاون الأكاديمي، وعلى رأسها برنامج “إيراسموس” الأوروبي الذي يعد من أبرز نماذج التبادل الأكاديمي في العالم. فقد أسهم هذا البرنامج منذ إنشائه في تعزيز الهوية الأوروبية المشتركة من خلال تنقل ملايين الطلاب والباحثين بين الجامعات الأوروبية، مما أدى إلى تعزيز التفاهم الثقافي والتكامل العلمي بين الدول المشاركة.
وانطلاقًا من هذه التجربة، يمكن طرح مبادرة “إيراسموس الإسلامي” بوصفها برنامجًا أكاديميًا دوليًا يهدف إلى تعزيز التفاهم الثقافي ومكافحة خطاب الكراهية داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها، عبر إنشاء شبكة تعليمية مشتركة بين جامعات الدول الإسلامية، وتعزيز الهوية الحضارية الإسلامية القائمة على قيم التسامح والعدل واحترام التنوع الثقافي. ومن الناحية المؤسسية، يمكن تنفيذ هذا البرنامج من خلال إنشاء هيئة إدارية متخصصة، بحيث تتولى هذه الهيئة الإشراف على تصميم البرنامج وتنفيذه، ومراجعة المناهج التعليمية في الجامعات المشاركة للتأكد من خلوها من أي مضامين تمييزية أو خطابات كراهية، بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، والعمل على تطوير مقررات أكاديمية مشتركة تركز على موضوعات الحوار الحضاري والتنوع الثقافي والتسامح الديني. كما يمكن أن تتضمن هذه المناهج موادًا تعليمية تبرز الإسهامات الحضارية للدول الإسلامية في مجالات العلم والثقافة والإنسانية. ولضمان نجاح البرنامج، يمكن إطلاق منصة إلكترونية موحدة تسهل الإجراءات، وتوفر معلومات شاملة حول الجامعات المشاركة. ومع ذلك، فإن تنفيذ هذا المشروع قد يواجه عددًا من التحديات، التي يمكن معالجتها من خلال اعتماد إطار إسلامي موحد للمؤهلات الأكاديمية يشبه الإطار الأوروبي للمؤهلات، ومن المتوقع أن يسهم هذا البرنامج في تحقيق مجموعة من النتائج الاستراتيجية بعيدة المدى.
وفي سياق الجهود الدولية لمكافحة خطاب الكراهية وتعزيز ثقافة التعايش، برزت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة بوصفها فاعلًا مهمًا في دعم مبادرات الحوار بين الثقافات والأديان، وفي تطوير استراتيجيات مؤسسية لمواجهة التطرف والكراهية وتعزيز قيم الاعتدال والتسامح. وقد أكدت السياسات الوطنية للمملكة، خاصة في إطار رؤية السعودية 2030، على أهمية بناء مجتمع حيوي قائم على قيم الاعتدال والتسامح والانفتاح الثقافي، وهو ما انعكس في عدد من المبادرات والبرامج المؤسسية التي تهدف إلى نشر ثقافة الحوار وتعزيز التفاهم بين الشعوب. ومن أبرز هذه الجهود إنشاء عدد من المؤسسات والمراكز المتخصصة في تعزيز الحوار بين الثقافات ومكافحة التطرف، من أهمها: مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار، ومركز اعتدال العالمي لمكافحة الفكر المتطرف، ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.
إن هذه الجهود المؤسسية والفكرية التي تبذلها المملكة تشكل أرضيَّة مهمة لدعم المبادرات التعليمية الهادفة إلى تعزيز التسامح ومكافحة خطاب الكراهية، ومنها مشروع “إيراسموس الإسلامي” المقترح، الذي يمكن أن يسهم في بناء فضاء أكاديمي مشترك بين الجامعات الإسلامية يعزز التواصل الثقافي والعلمي بين الشباب.
وعلى كلٍّ، فإن مواجهة خطاب الكراهية لا يمكن أن تتحقق بالوسائل القانونية وحدها، بل تتطلب أيضًا استثمارًا طويل الأمد في التعليم والثقافة والحوار الحضاري. وعندما يتحول التعليم إلى جسر للتواصل بين الشعوب، فإنه يصبح قوة حضارية قادرة على تعزيز السلام وبناء مستقبل أكثر تعاونًا وتفاهمًا بين الأمم.
• عضو هيئة التدريس بكلية الدراسيات القضائية والأنظمة
جامعة أم القرى

أ.د. نورة بنت زيد بن مبارك الرشود

المدير التنفيذي لأمانة الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان لمنظمة التعاون الإسلامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى