لم يعد ما يُعرض على بعض شاشاتنا مجرد أعمال درامية عابرة، بل أصبح مشروعًا ممنهجًا لطمس الهوية وتشويه القيم. بين رومانسية مستوردة من الخارج، وأجواء مقتبسة بلا روح، وإثارة مصطنعة لا تشبهنا، نقف اليوم أمام سؤال مؤلم: أين نحن من كل هذا؟ وأين ذهبت هويتنا السعودية؟
المشكلة لم تعد في التأثر بالآخر، فالتفاعل مع الثقافات سنة كونية، لكن الكارثة حين يتحول هذا التأثر إلى ذوبان كامل، إلى نسخة مشوهة لا تشبه أصلها ولا تحترم جذورها. ما نشاهده اليوم ليس إبداعًا، بل تقليد أعمى يُفرغ المجتمع من قيمه ويعيد تقديمه بصورة مشوهة، وكأننا بلا تاريخ، بلا دين، بلا إرث.
مجتمعنا السعودي لم يُبنَ صدفة، بل قام على منظومة قيم راسخة: الكرم، الشجاعة، الفزعة، الجود، والحمية، قبل ذلك وبعده الدين الذي شكّل العمود الفقري لكل هذه المعاني. هذه ليست شعارات، بل ممارسات يومية صنعت تماسكنا وأعطتنا خصوصيتنا بين الأمم.
لكن ما يُبث اليوم—وبأيدٍ سعودية للأسف—يعمل كمعول هدم مباشر. صورة ذهنية تُرسم بعناية، لا تعكس المجتمع بل تطعنه: خيانة، غدر، تفكك، وانفلات أخلاقي يُقدَّم وكأنه الواقع الطبيعي. هنا لا نتحدث عن نقد اجتماعي ناضج، بل عن تسويق للانحراف، وتضخيم للشاذ، وتهميش للأصيل.
في الوقت الذي تدرك فيه دول العالم قوة الإعلام كأداة لبناء الصورة وتعزيز الهوية وتصدير القيم، نجد بعض منتجينا يستخدمونه كأداة جلد للذات، وكأن النجاح لا يتحقق إلا عبر صدمة المجتمع واستفزازه. أي منطق هذا الذي يرى في ضرب القيم طريقًا للشهرة؟ وأي عقل يقبل أن تُختزل هويتنا في مشاهد مبتذلة لا تمثل إلا هامشًا مشوهًا؟
الأخطر من ذلك أن هذا الطرح لا يسيء فقط للصورة الخارجية، بل يضرب الداخل في عمقه. حين تُكرر هذه النماذج، تتحول مع الوقت إلى “طبيعي” في نظر المتلقي، وتبدأ عملية التآكل البطيء للقيم. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: ليس في مشهد عابر، بل في تراكم يصنع وعيًا جديدًا مشوشًا.
لسنا ضد الفن، بل ضد الفن الهابط. لسنا ضد النقد، بل ضد التشويه. الفن الحقيقي هو الذي يرتقي بالمجتمع، يناقش مشكلاته بصدق دون أن يهدم ثوابته، ويعكس هويته دون أن يذيبها في قوالب مستوردة.
ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من النسخ، بل استعادة الثقة في أنفسنا. نحتاج إلى أعمال تروي قصتنا نحن، بلغتنا نحن، بقيمنا نحن. أعمال تُظهر الكرم لا البخل، الشجاعة لا الخيانة، الفزعة لا الأنانية، والدين كمنظومة حياة لا كخلفية مهملة.
المعركة اليوم ليست فنية فقط، بل معركة وعي وهوية. إما أن نكون كما نحن… أو نصبح نسخة باهتة لا يعرفها أحد—ولا تحترم نفسها.
0
