أما بعد… فالسؤال البريء في لفظه، ليس بالضرورة بريئًا في أثره.
عدتُ مؤخرًا إلى قراءة بعض أعمال المفكر محمد عابد الجابري، بعد انقطاعٍ طال أكثر مما ينبغي، وهي عادة لي مع كثير من المفكرين الذين قرأتهم في عمرٍ متقدم، وتجربةٍ مبكرة لا تسعفني لفهمهم من القراءة الأولى، ولم تكن عودتي هذه المرة مجرد استئنافٍ للقراءة، بقدر ما كانت مراجعة لفكرةٍ ظننتها مستقرة، فإذا بها تستدعي إعادة نظر.
ولطالما ارتبطت قراءاتي العميقة بسكون الليل، حيث تتسع مساحة التأمل، وتخفت ضوضاء العالم، فتظهر الأسئلة أكثر وضوحًا… وأكثر إلحاحًا.
ومن أكثر ما استوقفني من أفكار الجابري، قوله: إن أخطر ما قد يقع فيه الإنسان أن يفكر بأدوات غيره، وهي فكرة تبدو مألوفة، لكنها تكتسب معناها الحقيقي حين تتقاطع مع تجربة شخصية، أو سؤالٍ غير متوقع.
وفي واحد من صباحات تلك الليالي، وبينما كنت في قاعة الامتحان ألملم أوراق الطلاب استعدادًا للمغادرة؛ استوقفني أحدهم بسؤالٍ عابر في لفظه، عميق في معناه:
“دكتور… هل النجاح يعني حصولي على وظيفة؟”
كان السؤال بسيطًا في صياغته، لكنه لم يكن كذلك في دلالته، خفيفًا في نطقه، ثقيلًا في وقعه.
ولأنني معلم في المقام الأول، أقف يوميًا أمام وجوهٍ غضةٍ حالمة؛ أعي تمامًا أنني أمام جيلٍ يتشكل وعيه في سياق مختلف عمّا عايشه جيلنا، حينما كان الطريق مسارًا واضحًا يبدأ بالتعليم وينتهي بوظيفة مستقرة، “ذاكر جيدًا، تنجح، ثم تجد وظيفة”، وكان ذلك التصور -على بساطته- كافيًا لتفسير الواقع والإجابة عن أسئلة المستقبل.
أما اليوم، فلم يعد السؤال مجرد استفسار، بل تعبيرًا عن قلقٍ معيشٍ في زمن تتسارع فيه التحولات وتتعدد فيه الخيارات، وربما الأهم أنه يعكس حاجة إلى حوار أعمق، يتجاوز الإجابات الجاهزة إلى مساءلة المفاهيم ذاتها.
في تلك اللحظة تمامًا، وجدتني في مواجهة سؤالٍ يخصني أنا؛ أكثر هدوءًا… وأشد ثقلًا:
هل كان كل هذا الطريق يستحق؟ هل ما جمعته من سنوات الدراسة، وما حصلت عليه من شهادات، يقف على أرضٍ صلبة، أم على فكرةٍ لم أختبرها بما يكفي؟ وأنا أسعى في بيئةٍ لا تُنصف دائمًا ما يُفترض أن يُنصف؛ هل كنت أبحث عن النجاح، أم عن صورته؟
أووه… أيها الطالب القلق، يبدو أننا -بطريقتين مختلفتين- نقف أمام السؤال نفسه، مع ارتباك متفاوت، ونظرتين معكوستين؛ إحداهما للماضي، والأخرى للقادم!
لم يكن حديث الجابري الذي أشرت إليه عن التفكير بأدوات الآخرين تنظيرًا مجردًا، بل كان مرآة كاشفة لمسيرتنا، فكم من الخيارات اتخذناها لأنها “المسار الطبيعي”، وكم من الأهداف سعينا إليها لأنها “الصورة المتوقعة” للنجاح، وكم من المبادئ تبنيناها لأنها “الإطار المرضي للمجتمع”.
المشكلة لا تكمن في الاتجاهات ذاتها، ولا في النهايات التي وصلنا إليها، بل في تصورنا نحن، حين نسير وفق خرائط لم نرسمها، أو نقيس تجاربنا بمعايير لم نصنعها، فقد نصل فعلًا، لكن إلى قمم باردة لا نشعر أنها لنا بالكامل، وقد نحقق نجاحًا ظاهرًا يراه غيرنا بعين الإعجاب، دون أن نجد له صدى حقيقيًا ومكانة مرموقة في دواخلنا.
أدعوك أيها الطالب الطموح ألا ترتكب الخطأ ذاته، لا تفكر بأدوات غيرك، فهي مغامرة قد تقودك إلى مستقبل لم تختره أنت، صاغته عقول الآخرين، أو قد تقودك إلى هدفٍ مرتبط باشتراطات وظروف ليست كلها في يدك.
وإذا كان سؤالك عما بعد النجاح، فسؤالي لك -قبل الإجابة-: ما هو النجاح أصلًا؟
هل هو ما يريده الآخرون منا؟ أم ما نريده نحن من ذواتنا؟
ولعلي لا أملك إجابة جاهزة لسؤالك الآن!
• أستاذ الدراسات العليا في الأدب الحديث والنقد بجامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز