بقلم – عبدالله الذويبي…
يشهد العالم طفرة تقنية هائلة أعادت تشكيل تفاصيل حياتنا اليومية، ولعل أبرز تجليات هذه الطفرة هو التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) وقدرته الشبه بشرية على التفاعل والمساعدة. ولم يعد الأمر مقتصرًا على تنظيم المواعيد أو صياغة النصوص، بل امتد ليتغلغل في أدق تفاصيل حياتنا؛ بدءاً من الرعاية الصحية والطبابة الشخصية التي جعلت من الهواتف الذكية “مستشاراً صحياً أولَ” يلجأ إليه الكثيرون، وصولاً إلى أدق التفاصيل الجمالية واليومية؛ حيث أضحى الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل المظهر واختيار مستحضرات التجميل والمكياج المناسب بدقة متناهية بمجرد تزويده بصورة ملتقطة لبشرة العميل.
مفارقات واقعية: من التمارين البسيطة إلى مراجعة الوصفات والجمال الرقمي
يروي الكثير من المستخدمين تجارب لافتة تعكس القوة التحليلية الكبيرة لهذه البرمجيات؛ حيث يذكر أحدهم أنه شعر بألمٍ مفاجئ، فتوجه بالسؤال إلى أحد نماذج الذكاء الاصطناعي الذي تفاعل معه فوراً طالباً شرحاً تفصيلياً للحالة. وبعد تحليل الأعراض، قدم له الذكاء الاصطناعي حلاً بسيطاً ومباشراً تمثل في تمرين معين للشهيق والزفير وتنظيم التنفس، والمفاجأة كانت في اليوم التالي حيث اختفت تلك الأعراض تماماً، وهو ما يفسره المختصون بقدرة الذكاء الاصطناعي على الربط بين بعض الآلام العضلية أو التشنجات الناتجة عن التوتر وضيق التنفس، وتقديم حلول سلوكية فورية لها.
وفي سياقٍ آخر يحمل طابعاً أكثر خطورة، قام مستخدم آخر بتصوير وصفة طبية لمرهم مخصص للحساسية الجلدية واستشارة الذكاء الاصطناعي حوله. جاء الرد سريعاً ومباشراً يحمل تحذيراً شديداً:
هذا المرهم يحتوي على مركبات قد تكون خطيرة على حالتك أو لها مضاعفات جانبية جسيمة، والأفضل استبداله بالمرهم الفلاني…” مع تزويده بالاسم العلمي البديل.
وتوضح هذه الحادثة قدرة الخوارزميات على مسح قواعد البيانات الضخمة وقراءة التحذيرات الدوائية والتفاعلات الكيميائية في أجزاء من الثانية، وهو ما قد يغفل عنه المريض أو يحتاج إلى وقت طويل للبحث عنه.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوز حدود الطبابة ليدخل عالم العناية الشخصية والجمال؛ إذ أصبحت منصات الذكاء الاصطناعي قادرة على فحص خصائص البشرة، وتحديد درجات الألوان، واختيار “المكياج” والمنتجات الأنسب لكل عميلة بناءً على تحليل مسحي دقيق للصور المرفوعة، مما يختصر الكثير من الوقت والجهد في الاختيار والتجربة.
ميزان التقييم: منافع ذكية ومخاطر حتمية
ورغم هذه القصص الإيجابية التي تبهرنا بكفاءة التكنولوجيا، إلا أن الميزان العلمي والطبّي يتطلب دائماً الحذر الشديد؛ فالذكاء الاصطناعي أداة استرشادية ممتازة للوعي والتحليل الأولي، لكنه لا يملك سماعة طبيب ولا يمكنه إجراء الفحوصات السريرية أو معرفة التاريخ المرضي الدقيق والتفاصيل الجينية للمريض. إن التشخيص الذاتي عبر الشاشات قد يصيب في أحيان كثيرة -كما في الحالات السابقة- ولكنه قد يخطئ في أحيان أخرى، وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى بديل مطلق في القرارات الصحية أو التجميلية قد يؤدي إلى عواقب وخيمة إذا ما تم الاعتماد عليه دون استشارة أهل الاختصاص.
الوعي هو الأمان
إن الوعي الرقمي يتطلب منا الاستفادة من الذكاء الاصطناعي كـ “مساعد ذكي” لتثقيف أنفسنا، وفهم الخيارات المتاحة، واستكشاف مضاعفات الأدوية، مع إبقاء كلمة الفصل والقرار النهائي دائماً بِيَد الطبيب المختص والخبراء في كل مجال. فالتقنية وُجدت لخدمة الإنسان وتوجيهه، والأمان يكمن في دمج هذا الذكاء الرقمي بالحكمة البشرية والخبرة العملية على أرض الواقع.






