الحرمين الشريفين

إمام المسجد الحرام "السديس" (الكلمة) لفظة ذات حدين

مكة المكرمة /

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس المسلمين بتقوى الله عز وجل فهي خير مَا يُوصَى به دَوَامَا، لِمَنِ ابْتَغَى عِزًّا تَرَامَى، فتقواه تشْفِي مِنَ الصَّلاح أُوَامَا، وتُحقّق -وايم الحقِّ- ما عَزَّ مَرَامَا.

وقال فضيلته في خطبة الجمعة التي ألقاها بالمسجد الحرام : قَضِيّة حضارية وقيمة عَالَمِِيّة، تَبَارتِ الأمم في مَيْدَانِها الفَسِيح، تَنْشُدُ الغَلَب والاسْتِبَاق، ولأجْلِها جَادَتْ بِنَفيس الأعْلاق، وأغْدَقَت عليها لِنفاذها في الآفاق، قضيّة هي تُرْجُمان الحضارَة وانْبِثَاقَاتُها، وصَوْتُ القُوة وانعِكاسَاتها، تحْدُو الأممَ إلى المعالي ورُبوعها، ومَنَازِل العِزَّةِ وينْبُوعها، قضِيَّةٌ تَنْطوي النُّور والحكمة والحَيَاة، والرَّحْمَة والهِدَايَة والنَّجَاة، بَلْهَ الباقِيات الصّالحات، [COLOR=crimson]تِلْكُم هِي مسؤولية الكلمة في أجْلَى حَقَائِقها وأمْيَزِ دَقَائِقها[/COLOR]، وشَتَّى طرائقِها سَمْعًا وكِتابَة و نُطْقًا وإجَابة و إخْفَاقًا وإصَابة.

وبين فضيلته أن الكلمة لفظة ذات حَدَّين ورسالة ذات ضِدَّين، فهي إن شئتم شمس مشرقة أو نار محرقة هي دَليل فَاصِل أو سيف قاصِل هي صَيِّب الغيث أو سيِّء العيث و الكلمة إن شئتم نُبْل واحترام أونَبْل ذو اجترام هي باعث السرور أونذير الثبور الكلمة أحلى من الرُّضاب أو أنكى منَ العِضاب ورُبَّ قول أنفذ من صَوْل.

وأكد إمام وخطيب المسجد الحرام أن الكَلِمَةُ الطَّيِّبة مَطِيَّةُ الهِدَاية والدَّعْوَة والإصلاح وزِنَادُ الفِكر والفلاح، بِهَا الإسلام عَمَّ وسَاد ودَعَا الشُّعُوب وقاد و إنَّها مَنَارَةُ توجيه وإرْشاد ورَافِدُ تعليم وبِنَاءٍ وإعْدَاد وهي تَتنَاول أَدَقَّ القضايا وأعْضَلها فَتُجَلِّيها وتَنْسَرِبُ في النّفوس فَتُرَقِّيها أو تُشقِيها.

كما بين أن الشرع الحنيف حذر من سَقطاتِ الألسُنِ وحَصَائدها ولَغْوهَا وأوابِدِها وكما ورد في الحديث قال صلى الله عليه وسلم ( [COLOR=green]إنَّ العبد لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَة مِن رِضوان الله لا يُلْقي لها بَالاً يَرْفعه الله بها دَرَجَاتٍ وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سُخْطِ الله لا يُلْقي لَهَا بالاً يَهوي بها في جَهنّم[/COLOR]) ولِخطورتِها وأهمِّيّتِها تَرَتّبت عليها العقوبات والحدود في الإسلام، والتعازير والآثامَ على مُجرَّد الكلاَم و من ذلكم كلمة التوحيد وإبطال كلمة الكفر والتنديد ولفظة النكاح أو الطلاق أو العِتاق.

وقال فضيلة إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور السديس : لذلك ورد منهجنا القرآني الفريد بحفظ الكلمة عن مسلك النُّبُوِّ والتجريح واقتعد بها ميدان السُّمُو والصِّدق الفسيح قال سبحانه وتعالى //مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ// ولِجَلال الكَلِمَة ومسؤولِيِّتِها، لم يَكُن مُزاحُه صلى الله عليه وسلم إلاَّ حقًّا وصِدْقا.
يقول الإمَام الغزالي ([COLOR=green]فَمَن أطلَق عَذَبَة اللِّسَان وأهْمَلَهُ مَرْخِيَّ العِنَان سَلَك به الشيطان في كُلِّ مَيْدَان وسَاقهُ إلى شَفَا جُرْفٍ هَار إلاَّ مَن قيَّدَه بِلِجَام الشرْع وكفّه عن كُلِّ ما يَخْشى غائلته في عاجله وآجله[/COLOR]).

وأضاف فضيلته : أن الكَلِمَة الرَّبَّانِيّة الغَدِقة والمفردة المُخْلِصَةِ العَبِقة لَتَبْعَثُ النُّفوس مِن أوْحال الخُمول والجَهَالَة ومَواقع الزّيغ والضّلالة وتُنْجِيهَا مِنْ سِبَاع شهَواتِها المُغْتَالَة وتُعْتِقها مِن الأفكار والمَفَاهيم القتالة والكلمة المسؤولة الندية الصادقة الوردية تهفو بالأرواح إلى جلائل الأمور بِهِمَّةٍ وأَمَلٍ لا يتخَلَّلهُمَا إثِّقال ولا فُتور وتلك هِي الدَّعوة النَّافعة والحِكمة المَاتِعة التي تُسِيم الأمّة الإسلاميّة في مَرَابِع العمل الصَّالح المَبْرُور وتؤكِّد بين أبنائها آصِرَة التَّآخِي والحبور. ولِغَزير العِبَر المُنيفَة، واللَّطائف الشريفة في رسالة الكلمة قال عَزَّ مِن قَائل(وقولوا للناس حُسْنا) وقال تعالى (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وقال تعالى ([COLOR=blue]فقل لهم قولاً ميسُورَا[/COLOR]) وفي ذلك أسْوَة وأيّ أسوة للعلماء والدعاة والمخاطِبين والكتّاب والإعْلاَمِيِّين.

وأشار إلى أن الكَلِمَة النُّورَانِيَّة الأَنُوف التي تخُطّها اليَرَاعة، أو يَلْفِظُها ذو البَرَاعة في الدَّعوة والإصلاح فتنطلِقُ مُدَبَّجة بِنَدَى اللُّطْف والجمال والرَّصَانة والاعتدَال في غير استهجان ولا ابتذال لَتُحَقِّق مِنَ الهُدَى والخَيْر وتَدْفَع مِنَ السُّوءِ والضَّيْر كلَّ أمَلٍ ورَجَاء لأنها مَا نَبَعَتْ إلاَّ مِنْ لَوْعَةِ الفؤاد على هِدَايَة العِبَاد ونَشْر المَرْحمة بينهم والتَّوَاد بأكرم عطاء وأزْكى زاد قال تعالى( [COLOR=blue]أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا[/COLOR]).

وتابع يقول إن مِن مُقْتضَيَاتِ القول الثَّمين النَّقْد البَاني الأمين عَبْر وسَائل الإعلام التي زاحمت الأقطار وغَزَتِ الأفكار فالنَّقد المَسْطور أو المسموع لابُدَّ وأنْ يكون من ذِي مُكْنَةٍ واقْتِدَار فلا يُطلَق الكلام في المُجْتَمعات والمؤسَّسَاتِ والهَيْآت حِمَمًا حَارِقة ونِصالاً خارقة كيف وما أفْحَشَ حكيم ولا أوْحَش كريم والنَّقْد المسف عن كَمَدْ لاَ يَخْفَى زَيْفه وإنْ طال الأمَدْ ذلكم وألاَّ يُذَاع في الأُمّة من الكلام إلاَّ مَا هَذَّبَتْه بَصائر الأفكار وألاَّ يُنشَر إلاَّ مَا نَقَّحَتْهُ عُقول النُّظَّار لِيَكون مَدْرَجَةً للرُّقِيِّ والكمال ومُنَّة لِحِفظ الهُوِيَّةِ والخُصوصِيَّة دون إمحال ، وأبلغ من ذلك قول المصطفى صلى الله عليه وسلم ( [COLOR=green]من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت[/COLOR]) وإنّ أكيس الناس من تكلّم بعلم أو سكت بحِلْم ، ولا غرو فكم كانت الكَلِمَة مَجْلَبَةً للأحقاد ومَثَارًا للتّنافُر والعِناد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى