كان وعي الإنسان لإدراك ما حوله يعتمد على حواسه الخمسة، وخاصة حاسة السمع والبصر، التي توسعت من خلال التقنية السمعية والبصرية فأصبح الانسان واعيا بكل ما يحيط به من أحداث فور حدوثها مع اختلاف الزمان والمكان. ومع تزايد المهام التي تقوم به التقنية للإنسانية، ازداد خطرها. والخطر لم يعد تقنيا فحسب، بل أصبح أخلاقيا وإنسانيا، بشكل يمس الصدق، والخصوصية، والعدالة، وكرامة الإنسان، وحتى مفهوم الحقيقة ذاته بالتزييف للمقاطع السمعية والبصرية وتركيباتها المزورة، مما يؤثر على وعي الأجيال بتداول الاخبار الكاذبة، حيث يضعف التفكير النقدي، الاعتماد على الإجابات الجاهزة، والوقوع ضحايا التأثير بالمحتوى المضلل. وما ينتج عنه من تلاعب بالعقول. وقد حذرت منظمات دولية، مثل اليونسكو، من الذكاء الاصطناعي، إذا ترك دون ضوابط أخلاقية صارمة للتقليل من تضليل المجتمعات. ومن أخطر التحديات الأخلاقية للذكاء الاصطناعي قدرته على صناعة الزيف بشكل مقنع، يهدد مباشرة لقيمة الصدق والأمانة. ليفتح المجال إلى نشر الشائعات، تشويه السمعة، والتأثير على الرأي العام، وبث الفتن الاجتماعية والسياسية.
كما يعمل الذكاء الاصطناعي على تهديد العدالة والمساواة لأنه يساير البيانات المتحيزة ويعيد إنتاج هذا التحيز، فالألة لا تظلم وحدها، بل تعكس ظلم من صنعها وغذاءها بالبيانات. هذا إلى جانب إضعاف العلاقات الإنسانية لأن الاعتماد عليه قد يقلل من التواصل الإنساني الحقيقي، وما ينتج عنها من خدمات، الاستشارات العاطفية عبر الاله، الصداقة الافتراضية، المساعدات الذكية بدل العلاقات الاسرية، مما قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية، ضعف التعاطف، برود المشاعر، تراجع قيمة الحوار الإنساني، فمشاعر الرحمة، والحنان، والمؤاساة، قيم لا تستطيع الألة أن تمنحها بروح الانسان.
ومن تهديدات الذكاء الاصطناعي، تهديد قيمة العمل والمسؤولية لأن أنظمته قد حلت محل الانسان في الكثير من الوظائف، بما يهدد قيمة العمل والإنتاج. فالعمل ليس مصدر رزق فقط، بل أيضا: كرامة، هوية، شعور بالإنجاز، ومسؤولية اجتماعية، مما يؤدي إلى زيادة نسبة البطالة، الاتكالية، لضعف المهارات الإنسانية، وتراجع الابداع الشخصي. وهناك تبرز المسؤولية الأخلاقية وقضية تحمل الخطأ، حيث تضيع بين المبرمج، الشركة، المستخدم، النظام نفسه. وقد أكدت الهيئات الدولية على أهمية وجود المساءلة والرقابة البشرية وعدم نقل المسؤولية الأخلاقية من الانسان إلى الألة. والتأكيد على أن الخطر ليس في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في سوء استخدامه. وأن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يتوقف على قوة الخوارزميات، بل على قوة القيم التي تحكمها.
• عضو هيئة تدريس سابق بقسم الإعلام – جامعة أم القرى
مقيم في الولايات المتحدة الامريكية






