
(مكة) – خاص
ما أن تناقلت الصحف نبأ وفاته حتى أجهدت الأقلام ذاتها لتصديق الخبر فخفت صريرها، واستحى الخبر من نفسه يحاول الاختباء بين السطور، لعل ما يحوي يكون شائعة، أو كابوساً يفيق منه فيجد أمامه الإعلامي “حامد عباس” شاخصاً أمامه، تبحث الكلمات عن رأيه بين المطويات، وتحتار العقول في مستشارها، كيف لا وهي التي اعتادت صراحته ووضوحه، يشتاق سواد الحبر إلى نصاعة صدقه وسداد رأيه، يغيب عنها لأول مرة منذ نحو نصف قرن، وللأبد، لتفتقد رجلاً شهد له الجميع بإخلاصه، وأثنى عليه زملاؤه في الوسط الإعلامي على ما قدمه للمجتمع ككل، لاسيما للرياضة السعودية التي خاض غمار ملاعبها رفقة أندية عدة، قبل أن يعمل كناقد رياضي.
رحل حامد عباس بهدوءٍ تاركاً وراءه ضجيج مؤلفاته التي تنوعت ما بين الثقافية والاجتماعية، لعل أبرزها “كتاب الخوارج الجدد” إضافة إلى كتاب “قضية الثقافة في بلادنا”، وكتاب “فهد الوطن والحدث”، و”قصة التوسعة الكبرى”، و”طبق الزواج الناجح”، فيما ألف كتابًا اجتماعياً حمل اسم “الجماع روح الحياة الزوجية وسعادتها”.
محبو عباس أشادوا بالمهنية العالية التي كان يتمتع بها وجهوده في الصحافة السعودية و”مكة” الإلكترونية تنقل لكم هذه الأراء.
حامد عباس، كما عرفته
تحدث عنه الإعلامي والتربوي خالد الحسيني قائلاً : عرفت الأستاذ المستشار الإعلامي حامد عباس منذ سنوات طويلة، وفي ١٤١٢هـ أصدرت الكتاب الأول لمدرسة الملك خالد الإبتدائية في مكة المكرمة، والتي أسستها في محرم ١٣٩٩هـ وأرسلت له نسخة فكتب مقالًا في زاويته في عكاظ “همس النجوم” عن الكتّاب ثم تواصلنا عبر الاتصال الهاتفي الدائم. وزارني في بيتي في مكة، ودعاني لمنزله في جدة واستمرت العلاقة، ومن عشر سنوات أصبح الاتصال دائمًا، ووجدت فيه نعم الرجل الإنسان المتدين القريب من الناس. دخل المستشفى مرات عدة زرته عندما أجرى عملية في القلب في جدة، ووجدته مثالًا للمسلم الصابر، وعاود حياته وفتح لنفسه وأصدقائه بابًا للتواصل عبر الفيس بوك يوميًّا ولساعات طويلة يتحدث معهم في العديد من الأمور، وارتبط بعدد كبير ممن عرفه في السابق أو في سنواته الأخيرة عمل في الصحافة منذ الثمانينيات الهجرية في الندوة وغيرها، واستقر في عكاظ لسنوات. كما كان من أبرز اللاعبين في الهلال والوحدة نفس الفترة، أعتبر نفسي ممن فقد حامد عباس -تغمده الله- برحمته وفقدت اتصاله ورسائله الأسبوعية، وأدبه في الحديث مع كل من عرفه -رحمك الله- أيها العزيز وعوض أسرتك زوجتك الكريمة السيدة فايزة وابنك د.هاني وهديل وهتون وهتاف، وكل أحبائك في فقدك وجمعنا بك ووالدينا في جناته. وداعا أبو هاني
الحبيب الغالي ( أبوهانئ)
من جهته قال الأستاذ عبد الله رواس،: أيها الحبيب الغالي (أبوهاني)، أنت الآن في عناية الله ورحمته، ويتوسدك ثرى مكة الطاهر وجميعنا نحن محبيك، الذين شرفوا بزمالتك وصحبتك وسعدوا بلقياك والتحاور معك، ونيل الكثير من معين معرفتك. فقد كان هاجسك الدائم نهل المعرفة . فما أعظمك، وماأعظم صداقتنا يوم كنا سويًّا بنادي (الوحدة) بمكة أوائل الثمانينيات الهجرية من القرن الماضي، ثم قبل أسبوعين حين فرغنا من لقاء بمقهى (ديلفرانس) بجدة، وضمنا معك نحن الزملاء إبراهيم موسى، عدنان باعامر، سعيد رهوان، عبد الله رواس. فلمّا تأخر سائق سيارتك، وأخذته غفوة نوم أصررت أنا أن أتولى شرف توصيلك لمنزلك فقبلت، وكانت تلك المسافة البسيطة في مساحتها الكبيرة في معناها ما بين المقهى ومنزلك، والتي لم تخلو من تحاور المعرفة كأنها آخر العهد بك. ولم أدرِ وقتها حين وعدتني بأن يتجدد لقاؤنا في أقرب وقت بأن هذا الوعد لن يتم. إذ فاجأتك الحالة الصحية المباغتة وفي غياب طبيبك المشرف على علاجك الدائم في سفر للخارج؛ مما فاقم من حالتك وأُدخلت العناية الفائقة بالمستشفي التخصصي بجدة إلى أن وافاك أجل الله . ولقد جاء بالحديث النبوي الشريف أو كما قال -صلى الله عليه وسلم-:” من مات مبطونا فهو شهيد “. ونحسبك أيها الحبيب الغالي الزميل (حامد عباس) من الشهداء الأبرار بمشيئة الله تعالى، وفي جنات عليين، وأن يلهم زوجك رفيقة عمرك وأنس حياتك (أم هاني)، يلهمها الصبر والتصبر على هذا المصاب الجلل، ويخفف على ابنك هاني وبناتك (هديل وهنون وهتاف) ألم الفراق، وعزاؤنا للأهل جميعًا والزملاء والأصدقاء بهذا الفقد المؤلم حقا . إنا لله وإنا اليه راجعون.
حامد عباس…. مواقف لاتُنسى
الدكتور د.صبحي الحداد قال عن الققيد ، منذ أربعة عقود تقريبًا، وفي الدور الأخير من مبنى مؤسسة عكاظ في مبناها القديم بالرحاب، وفي غرفة في الركن الغربي من المبنى. كان يقبع فيها واحد من مديري التحرير، من إحدى مهامه الإشراف على صفحة الثقافة والأدب، وكان يجاوره مشرف صفحة “سوق عكاظ” الزميل سعيد الصبحي، وعلى بعد غرفتين كنت أجلس محررًا للصفحة الطبية، كنت أرمق ذاك المدير عن بعد، وأذهب إليه كلما سنحت الفرصة، لمجالسته والنهل من معينه، كان يشجع صغار الأدباء والشعراء والكتّاب ويستكتبهم، كان متواضعًا لأقصى درجة وخلوقًا بأقصى مايمكن تصوره. كان ينشر إنتاجي الأدبي البسيط المتواضع، واقترحت عليه ذات مرة أن نُنادي بالأمير الراحل عبدالله الفيصل أميرًا للشعراء، بعد فراغ إمارة الشعر برحيل “شوقي”؛ فأعجبته الفكرة ولكنه كلفني بكتابة الموضوع طالما أني صاحب الفكرة، ولم يأخذها أو ينسبها لنفسه، وكتبنا الموضوع آنذاك… وأحدث ضجة كبيرة جدًا في الساحة الأدبية.
وهنالك الكثير من المواقف والذكريات التي ظلت تجمعنا، حتى بعد تركه تحرير عكاظ، وتوجهه للمؤسسة مشرفًا على ملحق السلامة، كنت أمازحه بأن يخفف من نشر النصائح الطبية في ملحقه، حتى لا يخطف قراء صفحتى. ومرت سنوات وسنوات.. ترك هو عكاظ، ثم تركت مثله؛ لنلتقي بالصدفة مؤخرًا في منزل رجل الأعمال “رشاد سمر الدين”؛ حيث يقيم هذا الرجل الكريم أمسيات ثقافية فنية تكريمية .. ضيوفها الرئيسيون نخبة من رجال المجتمع، وفي آخر ثلاث أمسيات غاب “الرجل” بسبب المرض .
إنه “حامد عباس” الذي فقدناه … وبفقده، فقدنا أحد قامات الصحافة السعودية، رحمك الله يا أبا هاني…
وفاة الداكوتا
من جهته قال المستشار الإعلامي عبدالرؤوف ناجي، اختفت من أمامي منذ فترة زاوية (همس النجوم)، سألت عن كاتبها قالوا لي إنه مريض ويقاوم المرض بقوته الخضراء. كما هو لون قلمه الذي كان يكتب به زاويته التي تابعت قراءتها عند التحاقي بصحيفة البلاد عام1397هجرية، ومن مدخل الصحيفة إذا شممت رائحة السيجار الكوبي؛ فأعرف أن صاحب (همس النجوم) موجود. ولكن الآن هو غير موجود بيننا، بل بين يدي الله أنه أحد أساتذتنا في البلاد، ثم عكاظ إنه الأستاذ والإعلامي والرياضي المحروم “حامد عباس”. نسأل الله له الرحمة والمغفرة، كان أنيقًا في لبسه، ويتميز بارتداء الغترة البيضاء بوضعية معينة لها عاكس ومعكوس للوضعية التي تميز بها ومسكة السيجار؛ كأنك أمام رجل استقراطي ولا يكتب سوى بقلم لون سائله أخضر. وسألته مرة، ولم أكن أعرف وقتها إنه الداكوتا حارس الوحدة ونجمها، بل عرفته باسمه وأستاذيته لماذا القلم الأخضر هل أنت أهلاويّ؟! قال لا أنا مكاوي، لا أحب غير الوحدة، قلت له لماذا الوحدة؟ سكت برهة، وأضاف لأنني أحد نجومها أنا الداكوتا، قلت حارسها في الزمن الجميل. قال: نعم وياريت هذه الأيام تعود قلت له ولماذا اللون الأخضر؟ فقال: لون الوطن، وهل هناك عشق لغير هذا اللون؟!
فأسكتني بإجابته وعرفته علي نفسي وقتها، أنا المبتدئ في بلاط الصحافة، أحضرني أستاذي في الجامعة وقتها هاشم عبده هاشم، ولم يحصل علي الدكتوراه وقتها رد علي بكل تواضع والنعم بالأستاذ والطالب، وستكون طالبًا نجيبًا. فقلت له: أستاذنا ومنك نستفيد بما تنصحني، قال: المتابعة والقراءة والتوثيق لكل ما تحضره للنشر، ونقلت كلامه لأستاذي الجامعي في قسم الإعلام. فقال: لي لو اتبعت هذه النصائح ستنجح، وأخذتها في الاعتبار، وساعدتني في مشواري الذي لا أحكم عليه بالنجاح، ولكن من حكم الآخرين كان لي كذلك، وعلي رأسهم أستاذي د.هاشم عبده هاشم. سألت المرحوم أستاذنا حامد عباس لقد نفذت وصيتك، ماذا تراني؟ قال: المشوار طويل، ومنذ ذلك فقد أصبحنا أصدقاء وأحباء في عكاظ بعد أن عمل فيها وتنقل في إشرافه على بعض أقسامها، ولن أنسى كل ما يشاهدني يقول: لي اترك تعصبك الاتحادي، وأرد عليه منك تعلمت منك يا أبوهاني ذلك أنت وحداوي متعصب، وأنا لا بد أن أكون كذلك للأصفر ومحبًا للأحمر، وعاشقًا للون الذي تكتب به-رحمك الله- أستاذنا أبوهاني رحمة الأبرار، وأسكنك المولي جنان جناته.
وفاة الإنسان الخلوق
وقال عنه الأستاذ زكي النجار، رحم الله الأستاذ حامد عباس، وتغمده الله بواسع رحمته، وأنزله منازل المؤمنين الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون، ومن أحسن مايذكر عن المتوفي سيرته الطيبة؛ حيث إن له مواقف عديدة معي شخصيًّا. فقد وقف معي وقفة إنسان طيب، إنسان كريم بتوصيل معروض إلى الأمير تركي بن عبد العزيز؛ لمساعدتي لتكملة بناء منزلي قبل ثلاثين سنة أيام كنت أعمل في جريدة عكاظ كسكرتير لـ”د. هاشم عبده هاشم”، وقد تم حديث بيني وبين الأستاذ حامد عباس حول منزلي الذي لم يكتمل، وسؤاله الدائم عني وعن ظروف البناء الذي كان متوقفًا بسبب الظروف. وبادرني بطلب عمل معروض، وأشرح فيه تفاصيل الاحتياج، وقام بنفسه -جزاه الله- عني خير الجزاء بإيصاله للأمير تركي بن عبد العزيز في حينه في قصره، ولم تمضِ أيام حتى بشرني بأن هناك شيك جاهز لاستلامه من القصر، وقال لي بالحرف الواحد: لولا أنه باسمك لاستلمته عنك، ياله من إنسان بارع، أدخل الفرح في قلبي وقلب أسرتي، ولم يكتفِ بذلك، بل إنه تابع معي حتى استلام الشيك. وقال: مبروك لك، وعليك أن تكمل منزلك، وإذا احتجت إلى مساعدة أنا تحت أمرك، وللمرة الألف أقول: إنسان بمعنى الكلمة، وكان يُناديني كلما ذهبت للدور الأرضي؛ حيث مكتبه مقابل لمدخل الإدارة، ويطلب منى أن أشرب معه الشاي، ويتعرف على رأيي في مقاله اليومي؛ حيث بادرته أكثر من مرة، وشكرته على ماكتبه وأحيانًا ألمح له بأن موضوع المقال كان قديمًا أو بالأصح في أمور أولى وكان يرحب ويبتسم في كل الأحوال. ياله من إنسان رحم الله حامد عباس الإنسان الخلوق، وأحسن الله منزلته في الجنة إن شاء الله.







رحمك الله
خالي اﻻستاذ حامد عباس، كان بمثابة والدي الجأ اليه كلما ضاقت الدنيا واحتجت لمن يأخذ بيدي الى شاطيء النجاة. احببته ووجدت فيه اﻷب الحنون. فقدت الوالد واﻷخ والصديق.كان دائما يعتز بتمسكه بمبادئه وقيمه، محبا للوطن كارها للنفاق والتملق، عصامي بنى نفسه من الصفر، ثقف نفسه بدون حمله أية درجات علمية
رحمك الله يا أستاذ، رحمك الله يا خالي.
د. أحمد اﻷنصاري
المستشار اﻷمني
الرياض