إيوان مكة

واطوِ عنّا بُعْدها !

في كل مرةٍ أرافقُ الطريقَ الممتدَ على طولِ الذكريات التي تنتهي بانتهائهِ لأعيشَ كلّ التفاصيلَ المتزاحمةِ في ذهني عن (الديرة) الأماكنِ والصورِ والأصواتِ والأشخاص الذين جمعتهم أبعادُ المكانِ وأخذتهم خطواتهم على نفسِ الطرقاتِ التي خلتْ منهم ومن آثارهم اليوم !

المدهشُ الجميلُ في هذه المساحاتِ الشاسعةِ والأماكنِ المهجورةِ أنها مازالتْ تُعَتِّقُ طهرَ نوايا الراحلين عن هذهِ البقاع وكأن خطيئتهمُ الوحيدةَ كانت الرحيلَ الذي اختارهم ولم يختاروه!

شيءٌ من عبقِ أصالتهم يتشبثُ بأعتابِ الأبوابِ الموصدةِ وخلفها أصواتُ الألفةِ وازدحامِ الحجرات بأفرادِ الاسرةِ كاملةً ونكهةُ البن المحمصِ يدويًا والهيلِ المدقوقِ في (النجر) ورائحةُ الحطبِ الذي لا ينطفيءْ إلا ليعودَ أشدُّ اشتعالًا في يومٍ حافلٍ بكل دفئهم ودفئه !!

الخبزُ المخبوزُ بأيدي الأمهات على التنورِ ، تلك الرائحةُ التى حنّ إليها درويش !

هذه الحياةُ التي سمعتُ عنها وعشتها من خلال القصص أكثر بكثير من معايشتها بشكل حقيقي كانت ترويها لي أمي ويحن إليها أبي وتؤنسنا بها عمتي وتفاخر بها جدتي !

كانت حياتهم الحُلُمَ لطفلةِ المدينة المدللـة التي تأتي بفساتينها المزركشة لتنتقلَ كفراشةٍ بين الحقولِ وفسائلُ الذرةِ تكادُ تغمرها بالكاملِ وهي تركضُ خلفَ بنات القريةِ اللاتي تجمعنَ مع قطعانِ الخرافِ والأغنامِ ليخرجن بها إلى المراعي والجبال ..

كانت الرحلةُ المستحيلةُ على تلك الطفلةِ التي تبكي بحرقةٍ على حرمانها من مشاركتهم هذه المتعةِ الأخاذةِ ومنعها من مرافقتهن للتنزه فوق الروابي والتلال كما ترى ذلك في مخيلتها المحشوةِ بثغاءِ الأغنامِ وتغريدِ العصافيرِ وحفيفِ الأشجارِ ورائحةِ الكادي والريحانِ والأزهارِ التي تقطفُ كل يوم منها باقةً بديعةَ الألوان وتقدمها لأحدِ المارةِ الذين يلقون السلامَ على من في الْبَيْتِ ويتبادلونَ التحايا وكأنّ كل من يمرُّ بهم هو أحدُ ساكنيه !

في كل مرةٍ كان يأخذني ذاتُ الطريقِ أبعدَ من الوجهةِ وأعمقَ من الغاية !
#وفاء_السالم

مقالات ذات صلة

‫5 تعليقات

  1. ما أجمل كلماتك عندما تنبعث
    من صادق أحساسك الرائعة وفاء
    ارتقيتِ ببراءة حروفك إلى علو المعاني
    رائعه هي كلماتك .. كروعتك ودائماً تأتينا بكل ما هو جميل ورائع..
    لكِ تحية من صميم قلبي..

  2. هو هو ذلك الطريق الممتد من أول الحلم إلى حدود الذاكرة ،نفسه الذي سار بوفاء ويسير بنا في كل مرة نعبره ،أحياناً يكون الكاتب معبراً عنك وعن حاضرك وماضيك وحياتك أكثر وأجدر حتى من نفسك .

    شكراً وفاء

  3. يالله استاذة وفاء ، لا أجمل من الأنثى حين تكتب عن الحنين ، عن الماضي ، عن الذاكرة ، وإن كان الحنين ذكر الإ أن الذاكرة أنثى ، ولا يتحرك الحنين دون ذاكرة .
    بقدر ألم هذه الجولة في الماضي المعتق والحكايا العتيقة الإّ أنها ممتعة ولولا الالم لما عرفنا اللذة كما يقرر ابيقور .
    جميلة كعادتك

  4. الله الله الله! ما أجمل هذه البساطة وما أمتعها، وما أصدق ذكريات الآباء والأجداد خصوصا عندما تحكى على ألسنتهم وبنبض قلوبهم وترويها دموعهم عاطفة وصدقا ومحبة.. سلمت وسلم قلمك.

  5. أحييك على نفَسِك الطويل في الكتابة وتجديدك في المواضيع والعناوين والصياغة ??

    فعلا كاتبة ماهرة وتجيدين طرق القلوب والمشاعر والأحاسيس بأقل مجهود وبأبسط عبارة وبأدق توصيف ، هذا علاوة على سردك الرائع لتفاصيل حياة الريف وطقوسها المختلفة حيث تجعلين القارئ يعيش رسومها بأسلوب سلسٍ سهلٍ يلمس الأرواح والنفوس ويعيده لعبق الماضي النقي الصافي ??

    الكاتبة وفاء دُمتِ مُحلّقة في سماء الأدب و الفكر، والتراث والشعر ، ودُمت وارفة الإحساس ، صادقة الشعور ، متدفّقة المشاعر ، باذخة الحضور ??

    عزيز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى