في لحظات الاضطراب، يكثر القول وتضطرب الروايات، لكن تبقى الحقيقة واحدة: ما يُقاس على الأرض لا ما يُقال في الخطاب. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة ما يجري في الإقليم لا تحتمل التبسيط، ولا تقبل الاكتفاء بالشعارات.
تُصرّ إيران في خطابها على أن تحركاتها موجّهة نحو “القواعد الأمريكية”، غير أن الوقائع الميدانية تكشف أن دول الجوار هي التي تتحمل كلفة هذا التصعيد، عبر تهديد الأجواء وتعريض المنشآت والمجتمعات لمخاطر مباشرة. وهو تناقضٌ لم يعد خافيًا، بل بات كافيًا لإضعاف مصداقية الرواية، وطرح تساؤلاتٍ مشروعة حول حقيقة الأهداف.
المشكلة، في جوهرها، ليست في التصريحات، بل في نمطٍ مستمر من إدارة الأزمات يقوم على التصعيد غير المباشر، وتوسيع دوائر التوتر، وإرباك استقرار المنطقة. وهو ما يدفع إلى سؤالٍ أكثر عمقًا: هل نحن أمام سياسة دفاعية محدودة، أم أمام مشروع نفوذ يتجاوز حدود السيادة، ويعيد تشكيل التوازنات على حساب أمن الدول واستقرارها؟
الدول تُعرَف بأفعالها، لا بخطاباتها. وسيادة الدول ليست خيارًا تفاوضيًا، بل مبدأ راسخ في القانون الدولي، وأمن المجتمعات ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه تحت أي مبرر. ومن حق دول المنطقة، بل من واجبها، أن تتمسك بهذه الثوابت، وأن تطالب بوضوح بوقف كل ما من شأنه تقويض الاستقرار أو تهديد حسن الجوار.
إن المنطقة اليوم، وهي تقف على مفترق طرق، أحوج ما تكون إلى عقلانية تُغلب الحكمة على الانفعال، وتعيد الاعتبار لمبدأ التوازن المسؤول، لا التمدد المضطرب. فالأمن لا يُصان بالادعاءات، ولا تُبنى الثقة بالشعارات، بل بالالتزام الصادق، واحترام الحدود، وإدراك أن استقرار الإقليم مسؤولية مشتركة لا تقبل الازدواجية.






