
اشعر بهم بين تلك الدهاليز الضيقة .. والغرف المغلقة .. وروائح المعقمات تفوح في كل مكان .. وكأني اسمع انينهم واحس بأوجاعهم .. لحظات ضعف .. بل لحظات ألم وفقد ..
عالمٌ آخر يبعُد كثيراً عنا بالرغم من قُربه منّا..
عالمٌ من دخله سينسى حتماً كل ملذات الحياة .. ويدرِك يقيناً أن الدنيا لا تساوي شيئاً ..
في الوقت الذي نستقبل فيه شهر رمضان المبارك بفرحٍ وبهجة ونحن بين اهلنا واحبابنا هناك مرضى مقعدون قد انهكهم المرض .. واثقلت ظهورهم الهموم والأسقام، يرقدون على الأسرة البيضاء النقية كقلوبهم …الطاهرة كأفئدتهم .. لا يفرقون فيه بين الليل والنهار .. تساوت عندهم الأيام، بل تساوت عندهم الحياة كلها ..
قد يتبادر إلى اذهاننا جميعاً عند رؤيتهم سؤالاً واحداً …
لما هم وحيدون! أين ابناءهم!
أليس من المؤلم رؤية ذلك الرجل المقعد يجلس وحيداً متألماً في احدى غُرف المستشفى برفقة سائقٍ أجنبي! في الوقت الذي يمرح فيه ابناءه في ارض الله الواسعة، وقد كان يوماً ما يفخر بهم عددا!
أليس من الموجع رؤية تلك السيدة المُسنة وحيدة تدفع لها كُرسيها عاملة منزلية لا تُتقن حتى التحدث باللغة العربية!
أين هم فلذات الأكباد! أين من حارب اولئك الأباء والأمهات العالم كله لأجلهم!
ألم تحملهم امهاتهم وهناً على وهن .. ألم يشقى اباءهم حتى يصلوا إلى ماوصلوا إليه ..
أين هم اليوم! لما لا تستيقظ ضمائر بعض الأبناء إلا بعد فقد والديهم ورحيلهم عنهم ..
لما بات رد جزءاً يسيراً من جميل الوالدين من الأمور الشاقة والثقيلة على البعض!
لما لا يريدون الجنة وهي سهلة وتحت اقدام امهاتهم!
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” رغم انف، ثم رغم انف، ثم رغم انف من أدرك ابويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما فلم يدخل الجنة ” رواه مسلم.
هما الجنة .. فلما لا يريدونها!
رمضان شهر فضيل وفرصة جميلة لمراجعة حساباتنا مع انفسنا ومع من حولنا ممن لهم حقٌ علينا وبالذات الوالدين فهم احق الناس بحسن صحبتنا، والأحق بالإحسان إليهما والعطف عليهما وبرهما، ولابد من رد جزء يسير من جميلهما قبل الفراق الأخير .. الذي لا ينفع بعده بكاء ولا ندم ..
اسأل الله العظيم في هذه الأيام المباركة من هذا الشهر الكريم أن يُنْعِم بالشفاء التام على كل مريض اكتفى ألماً ووجعاً وفراقاً وحزناً، وأن تكون أيامه القادمة أجمل وهو بين أهله وابناءه،
“ولكل مقصر نقول الزم قدميهما فثمّ الجنة”





