أخبار العالم

المتقاعدون بين الطمأنينة وراحة البال ونهاية الحياة

مكة – حنان كرامي – المغرب

التقاعد الذي يعتبره البعض نهاية الحياة، قد يكون عند البعض الأخر بداية حياة جديدة، وفرصة لاكتشاف الذات والجلوس مع النفس وتقييم إمكاناتها، بعد سنوات طويلة من العمل ومعاركة الحياة، يتفرغ فيها الشخص إلى حياته الخاصة، وممارسة أنشطته التي كانت زحمة العمل تعيقه عنها، إنها فرصة التقاعد حيث يختار المتقاعد النشاط الذي يميل إليه غير متقيد بقوانين العمل، مع إتاحته قدر كبير من الحرية والراحة، فمنهم من يرى أن الحياة في تجديد يحس بالطمأنينة والهدوء والاستقرار النفسي، ومنهم من يحس بالملل وضيق النفس، صحيفةمكة قامت بالربورتاج التالي لمعرفة هل التقاعد فترة راحة أم ملل..؟

ا
هكذا يعيش معظم المتقاعدين
حكايات تنبع من الأعماق
دخلت الفضاء المخصص للمتقاعدين بحي “ليزاميكال” اكادير فوجدت نفسي منبهرة أمام الأشجار الرائعة والمتنوعة، أشجار كلها خضراء تريح العين عند رؤيتها، وزهور حمراء، صفراء، وأخرى بنفسجية اللون هذه العظمة الربانية التي تزيد إحساسا بالطمأنينة وراحة البال، طرقات صغيرة كل واحدة منهم تأخذ المتقاعد إلى لعبته المفضلة، والهواء الطلق نسماته تنعش النفس، وانبساطه أرضها تجعل المتقاعد يكشف جمالية هذا النادي الذي أصبح مكانا أو بالأحرى مسكنا جديدا له، حيث يقضي أكثر من 70 متقاعدا يومهم في هذا الفضاء الواسع، وقفت وسط الحديقة ورأيت متقاعدين على شكل مجموعات منهم من يتكون من مجموعة صغيرة وأخرى كبيرة ، أعمارهم متفاوتة فيما بينهم كلهم ينظرون إلي بنظرات غريبة، منهم من تراوده شكوك عن صفتي وماذا أريد من ذلك المكان الذي يعج بالرجال، وأنا أمشي في هذا الفضاء الأخضر توجهت نظراتي اتجاه أصحاب الكرة الحديدية بلباسهم الرياضي وقبعتهم الواقية من أشعة الشمس وحماسهم في اللعب، جعل فضولي ابدأ بالحديث معهم، قلت: ” السلام عليكم” فجأة أجابني احدهم ” عليكم السلام ابنتي أش بغيتي” وأجبته : أنا صحفية وأريد أن أقوم بربورتاج عن المتقاعدين، فأجابني: ” مرحبا بيك ابنتي عندنا وعند هاذ الشيوخ المعطلين عن العمل” انا رئيس الجمعية واسمي الحسين عفيف هيا بنا إلى المكتب لطرح أسئلتك حول المتقاعدين، فبدأت بإجراء المقابلة معه وانطلاقا من سؤالي: هل التقاعد بالنسبة له فترة راحة وطمأنينة أم هم وملل؟ فكان جوابه وهو يضحك والفرح في عينيه، التقاعد فترة راحة وفرصة للقيام بما كان يصعب القيام به أيام مزاولتي للعمل،وأنا لا أحب الكسل والخمول في نفس الوقت، لأنني أرى التقاعد فرصة جديدة للقيام بأعمال اجتماعية ومساعدة الآخرين، ومن أنشطتي المفضلة اللعب بالكرة الحديدية، وهي راحة منقطعة النظير، حيث مند أن أبد لعبها وأنا أنسى كل التزاماتي وأنقطع عن العالم الخارجي.
تم توجهت مباشرة الى الساحة التي تعرف تكتلات جماعية كل أمام نشاطه المفضل منهم من ينتظر دوره لممارسة لعبته، وبعضهم يتفرج في الغالب والمغلوب، والآخرون يقيمون اللعب المفضل، الفضاء بأشعة الشمس الساطعة والنسيم العليل جعلني انظر إلى النشاطات المتواجدة بالفضاء، هناك ” الكارطة” ، “رمي الجلة”، ” الكرة الحديدية ” ” الطامة” كما يسمونها، وهناك فئة كبار المسنين مجتمعين على ” صينية وبراد كبير الحجم” في دردشة .. فتوجهت صوب أحدهم وسألته عن التقاعد:
التقاعد مرحلة انطلاق نحو آفاق جديدة في مسيرة الحياة
الحاج ابراهيم، متقاعد مند 14 سنة، إن التقاعد لا يعني بأي حال من الأحوال الركون والانطواء، بل يعتبر من وجهة نظري مرحلة انطلاق نحو آفاق جديدة في مسيرة الحياة، ذاكراً أن التقاعد هو انتقال الإنسان من مرحلة عمرية إلى مرحلة أخرى، لم أشعر بالملل اثناء تقاعدي، بل الراحة والطمأنينة، و بفضل أصحابي المتقاعدين ملئت وقت فراغي بلعب ” الطامة” هكذا يسمونها لعبة أصبحت تجري في عروقي، حينما ألعبها ولا أحب أن يحدثني احد وحتى هاتفي النقال أقوم بإغلاقه إلى أن أنتهي من لعبتي المفضلة.
في البداية الشعور بالدونية والقلق من التقاعد
كفاح، واشتغال، وسهر ومثابرة، يخرج صباحا ولا يعود إلا ساعات متأخرة بعد الزوال، يأمر وينهي، وكلامه مسموع وأوامره مطاعة، هكذا يتصور أو يتهيأ ذلك فقط، وعلى غفلة من الزمان يجد نفسه مركونا بإحدى زوايا البيت، يتغير كل شيء ويبدأ الإحساس بالدونية والشعور بعدم أهميته بين الناس والأهل باستغنائهم عن خدماته، يثير ذلك في نفسه الكثير من الغضب، بالنسبة الحاج احمد، التقاعد في البداية كان مللا وضجرا من الحياة لعدم استغلال الوقت، لكن ألان بعد زيارتي اليومية لهذا المقر المخصص للمتقاعدين أصبحت فترة راحة وأدركت أنني يجب أن استغل الحياة بشكل ايجابي، فبدأت بلعب “السطرنج ” هذه اللعبة التي تفتح الذاكرة وتجعلني أتنافس وأصدقائي أثناء اللعب فيها كما أقوم بتبادل الحوار والقيام بأنشطة ورحلات متعددة هكذا أصبحت أقضي معظم وقتي.
التقاعد جنة ورحمة من الله سبحانه وتعالى
تقبل بكل أريحية التقاعد لدى “سي الحسين ” كما هو الحال بالنسبة للحاج محمد وابراهيم والعربي ومروان وغيرهم من الأسماء كان التقاعد بالنسبة لهم جنة ورحمة من الله سبحانه وتعالى لأنهم أصبحوا يؤذون فرائضهم الدينية في وقتها المحدد،ولهم الوقت الكافي لزيارة الأحباب والجلوس مع الأسرة، وقضاء أغراضهم بدون عجلة مع الوقت، وقاسمهم المشترك لعب ” الكارطة” هكذا يقضون وقتهم، ما إن يصلون صلاة العصر يجتمعون في مكانهم المعتاد، مكان مغطى من أشعة الشمس وبه موائد وكراسي يهنئ انك ستقوم بتناول وجبة غذاء أوعشاء، لكن المكان مخصصا للعب “الكارطة” هذه اللعبة التي أخذت عقولهم كما يقولون كل واحد يتربص نحو الأخر ويراقب بكل صمت الورقة التي ستوضع فوق المائدة، هكذا يعيشون أيامهم، حيث في الصباح يقضون أغراضهم المنزلية، وبعد العصر مباشرة يسارعون إلى مقر التقائهم ليبذؤا منافستهم الشديدة في هده اللعبة.
مراجعة النفس بعد التقاعد
أحسست بعد التقاعد بالطمأنينة والهدوء والاستقرار النفسي، وتغيرت حدة تفكيري عن الدنيا إلى الآخرة، وربما يكون سبب ذلك تقدم السن ومراجعة النفس في الفراغ الذي أطبق علي ، فوضعت لنفسي برنامجاً دينياً ،حيث بدأت بقيام الليل وبتخصيص وقت في الصباح لقراءة القرآن وأداء سنة الضحى، وحاولت جاهدا في أوقات الصلوات المكتوبة أن اذهب إلى المسجد مبكرا وان أتأخر في الخروج بعد انقضائها، بالإضافة إلى القيام ببعض الأعمال الخيرية والاجتماعية، وأنشطتي المفضلة تبادل الحديث في الأمور الدينية مع هؤلاء الأصدقاء اللذين أصبحوا جزء مني.
ارتباطي بالمجتمع بعد التقاعد
التقاعد زاد تأملي في علاقتي بالمجتمع، فكان من الصواب أن أركز على محاسبة نفسي قبل محاسبة الآخرين، وان اعزز ايجابياتي تجاه أسرتي لأوفر لهم دفء المشاعر، ولأغمر الجميع بالتعاون المثمر، فكان هناك عدة قرارات جميلة اتخذتها وحاولت جاهداً تنفيذها، فبدأت بتخصيص وقت في الصباح لتلبية متطلبات الأسرة، وزيادة فترة الجلوس معهم، والتركيز على صلة الرحم، والزيارات أو التواصل مع من يعز علي عندما كان العمل سبباً في انقطاعي عنهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى