
أقوالٌ مُقْـتَطَفَة
من كتاب “الرَّسائل” للجاحظ
قيل ” مَنِ استوى يوماه فهو مغْـبون، ومَنْ كان يومُه خيرًا من غَـدِه فهو مفتون، ومن كان غَـدُهُ خيرًا من يومه، فذلك السَّعيدُ المغْبُوط”. وفي هذا المعنى قال الشاعر في بِشْرِ بنِ مروان:
رأيتُكَ أمسِ خيرَ بَني مَعَـدٍّ … وأنت اليومَ خيرٌ منك أمسِ
وأنت غداً تزيدُ الضِّعْفَ خيرًا … كذاكَ تزيدُ سادةُ عبدِ شمسِ
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: دخلتُ على أمير المؤمنين المعتصم بالله، فقلتُ له: يا أمير المؤمنين، في اللسانِ عشرُ خِصال: أداةٌ يَظهرُ بها البيان، وشاهدٌ يُخْبِرُ عن الضمير، وحاكمٌ يَفصِلُ بينَ الخِطاب، وناطقٌ يُرَدُّ به الجواب، وشافعٌ تُدرَكُ به الحاجة، وواصفٌ تُعرفُ به الأشياء، وواعظٌ يُعرفُ به القبيح، ومُعَـزٍّ تُرَدُّ به الأحزان، وخاصَّةٌ يُزهى بالصَّنيعة، ومُلْةٍ يُونِقُ الأسماع. وذُكِرَ الصَّمتُ والنُّطْقُ عند الأحنف، فقال رجلٌ: الصَّمتُ أفضلُ وأحمدُ، فقال الأحنف: صاحبُ الصَّمْتِ لا يتعداه نفعُه، وصاحبُ المنطقِ ينتفع به غيرُه، والمنطِقُ الصَّوابُ أفضل. وقال مُسلِمَةُ بن عبد الملك: إنّ الرجل لَيسألني الحاجةَ، فتستجيبُ نفسي له بها، فإذا لَحَنَ انصرفتْ نفسي عنها. وتقدم رجلٌ إلى زياد، فقال: أصلحَ اللهُ الأمير، إنَّ أبِينا هَلَكَ، وإنَّ أخونا غَـصَبَنا مِيراثَه، فقال زياد: الذي ضيعتَ من لسانك أكثرُ مِمَّا ضيَّعتَ من مالِكَ. وقال بعض الحكماء لأولاده: يا بَنَّي أصلحوا من ألسنتكم؛ فإنَّ الرجل لَتَنُوبُهُ النائبةُ فيستعيرُ الدابَّةَ والثياب، ولا يَقْـدِرُ أن يستعيرَ اللِّسان.
وقال الشاعر:
وكائِنْ ترى مِنْ صامتٍ لك مُعْجِبٍ … زيادتُه أو نقصُه في التَّكَلُّمِ
لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُه … فلم يبقَ إلَّا صورةُ اللحمِ والدَّمِ
وكان مِمَّا قاله الجاحظ للخليفة المعتصمِ بالله: خُذْ يا أميرَ المؤمنين أولادَك بأنْ يتعلموا من كلِّ الأدب؛ فإنَّك إن أفردتَّهم بشيءٍ واحدٍ، ثم سُئلوا عن غيره لم يُحْسِنوه.
https://al-maktaba.org/book/10428/139#p1






