في عالم يتسارع فيه سباق التقدم العلمي والتقني، أصبحت المختبرات والمعامل البحثية الحديثة بمثابة “القلب النابض” للجامعات والمراكز العلمية الرائدة. فهي ليست مجرد غرف مزودة بأجهزة، بل هي منصات للإبداع وحاضنات للاكتشاف.
لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن كثيراً من هذه المؤسسات تستثمر مبالغ طائلة في شراء أحدث المعدات، بينما لا يواكب ذلك مخصصات واعتمادات مالية كافية لتشغيل تلك المعامل والمختبرات وصبانتها
إنها معادلة تولد هدراً فادحاً للموارد بفقد تلك الاجهرة والمعدات قيمتها الحقيقية.
الوجه المشرق للاستثمار: عندما يتحول الحلم إلى واقع
في البداية، تبدو الصورة مثالية عندما تعلن مؤسسة تعليمبة بحثبة رائدة بفخر عن إنشاء مجمع بحثي متكامل، أو مركز علمي مزود بتقنيات النانو أو الذكاء الاصطناعي او جهاز المسبار الإلكتروني او جهاز مطياف الكتلة او غيرها ، بتكلفة تصل إلى ملايين الريالات. هذا الاستثمار الضخم يُفهم على أنه خطوة نحو المستقبل، ووسيلة لرفع التصنيف الأكاديمي، وجذب الكفاءات العلمية.
الحماسة التي ترافق عملية الشراء والتجهيز حقيقية، والتوقعات عالية بأن هذه المرافق ستضع المؤسسة على خريطة البحث العالمي.
الوجه الآخر: “فجوة وادي الموت” المؤسسية
بعد مرور فترة وجيزة على الافتتاح، تبدأ المؤشرات بالتحول. الأجهزة التي كانت يومًا لامعة تبدأ ببطء في فقدان بريقها. ليس بسبب قدمها الزمني، بل بسبب غياب الصيانة الدورية. قطع الغيار غير متوفرة، والمواد الاستهلاكية الأساسية تُطلب عبر إجراءات بيروقراطية معقدة، والفنيون المتخصصون في الصيانة غير مدرجين في الهيكل الوظيفي.
هنا، تدخل المؤسسة ما يُعرف بـ “فجوة وادي الموت” المؤسسية – وهي الفجوة بين توفر البنية التحتية البحثية وبين قدرتها الفعلية على إنتاج علمي ذي جودة ونقل المعرفة إلى حيز التطبيق.
يصف هذا المصطلح، المقتبس من عالم ريادة الأعمال التقنية، الحالة التي تموت فيها المشاريع البحثية الواعدة بسبب عدم قدرتها على الانتقال من مرحلة “إثبات المبدأ” في المختبر إلى مرحلة “النموذج الأولي” القابل للتطوير. أحد أسباب هذه الفجوة هو انقطاع التمويل التشغيلي، مما يحبس الأفكار داخل أجهزة معطلة أو مختبرات شبه خاملة او في رؤوس علماء ليس لديهم القدرة على استكمال عناصر البحث الى منتهاه .
تداعيات الهدر: سلسلة من الخسائر المتتالية
عندما تُهمل ميزانيات التشغيل والصيانة، لا يقتصر الهدر على مجرد أموالٍ أُنفقت في الماضي. بل يتحول إلى آلة تنتج خسائر متتالية ومتداخلة:
1. الهدر المالي المباشر: الأجهزة التي تكلف مئات الآلاف او الملايين تتلف بسبب غياب الصيانة الدورية .فيكون ثمن إصلاحها لاحقاً يفوق قيمتها الأصلية، أو قد تصبح مهملة تماماً. إنه استهلاك سريع لرأس المال الثابت دون تحقيق عائد يُذكر ولو في ادنى مستوياته .
2. تآكل رأس المال البشري والسمعة: الباحث المتميز والطالب المتفوق لا يبحثان عن جدران فاخرة أو شهادات شراء الأجهزة، بل يبحثان عن بيئة عمل حيوية قادرة على دعم فضولهما العلمي. فعندما تجد هذه الكفاءات أبواب المختبرات مغلقة أو أجهزتها معطلة، تبدأ رحلة هجرتها إلى مؤسسات أخرى أكثر جدية. وبالتالي، يتراجع التصنيف الأكاديمي ليس بسبب ضعف الإنتاج البحثي فقط، بل أيضاً بسبب هجرة العقول.
3. ضعف التأهيل العملي للخريجين: التعليم الحديث يعتمد على “التعلم بالممارسة”. طالب الكيمياء الذي لا يجرب على أجهزة التحليل الطيفي الحديثة، وطالب الهندسة الذي لا يبرمج الروبوتات الحقيقية، هو خريج يحمل فجوة مهارية خطيرة. المختبر المعطل يحرم سوق العمل من كوادر مؤهلة، ويعيدنا إلى أساليب التعليم النظري البالية.
4. شلّ حركة الابتكار والبحث التطبيقي: كثير من المشكلات المحلية في المجالات الصحية والبيئية والصناعية تحتاج إلى بحوث تطبيقية. مختبر متوقف يعني تأجيل حلول لهذه المشكلات، واستمرار الاعتماد على التقنيات المستوردة، وفقدان فرصة تحويل المعرفة إلى ثروة وطنية عبر براءات الاختراع والشركات الناشئة القائمة على التقنية.
لماذا نقع في فخ الهدر؟ تشخيص الداء
هناك عدة أسباب وراء هذه المعضلة:
· ثقافة “الانجاز الظاهر”: التركيز في بعض الأحيان على الجوانب القابلة للعرض والاحتفاء بها (كشراء الجهاز وافتتاح المبنى) أكثر من الجوانب المستدامة غير المرئية (كالتشغيل والصيانة).
· القصور في التخطيط المالي الاستراتيجي: حيث تفصل الميزانيات بين “التأسيس” و”التشغيل”، ويتم تخصيص الأخير بشكل عشوائي أو غير كافٍ، دون دراسة دقيقة للتكاليف الدورية.
· البيروقراطية والتجزئة الإدارية: حيث تكون عمليات شراء مواد التشغيل أو طلب خدمات الصيانة محاطة بإجراءات معقدة تجعل الباحث يقضي أياماً في ملء النماذج بدلاً من إجراء التجارب.
درس من القطاع الصحي: التشغيل ليس رفاهية، بل هو الجوهر
تكمن الإجابة في النظر إلى قطاع آخر يضع الحياة البشرية على المحك: القطاع الصحي. لا تفتح مستشفى حديث بأجهزة التصوير المتطورة ثم تقرر تقليص ميزانية التعقيم أو صيانة أجهزة العناية المركزة. التشغيل والصيانة هنا جزء لا يتجزأ من المهمة الأساسية، وتُخصص لهما ميزانيات واضحة ومرنة. النتيجة؟ استمرارية الخدمة، والحفاظ على قيمة الاستثمارات الضخمة، وثقة المجتمع. هذا هو النموذج الذي يجب أن تحتذي به المؤسسات البحثية: كفاءة الإنفاق تعني ضمان استمرارية وقدرة الأصل على أداء وظيفته، وليس مجرد اقتنائه.
نحو نموذج إنفاق كفء: اقتراحات عملية
الانتقال من الهدر إلى الكفاءة يحتاج إلى تحول في الرؤية والإدارة:
1. اعتماد مبدأ “التكلفة الشاملة”: عند التخضير لشراء أي جهاز أو إنشاء أي مختبر، يجب أن تشمل الدراسة المالية تكاليف دورة الحياة الكاملة (الشراء، التركيب، التشغيل، الصيانة، والتخلص الآمن) على مدى 5-10 سنوات. يجب أن تكون ميزانية التشغيل والصيانة جزءاً إلزامياً من أي مشروع استثماري.
2. إنشاء وحدات متخصصة للإدارة الفنية: وحدات ذات كادر فني مؤهل ومركزي، مهمتها الصيانة الوقائية والدورية، وإدارة مستودع قطع الغيار، والتفاوض مع الموردين على عقود صيانة طويلة الأجل. هذا أكثر كفاءة من ترك كل باحث أو قسم يواجه المشكلة بمفرده.
3. تخصيص “صناديق تشغيل بحثية”او اوقاف جامعية مرنة: توفير ميزانيات تشغيلية سنوية مرنة وسريعة الصرف للمختبرات والفرق البحثية النشطة، بناءً على أدائهم وخطة عملهم، لشراء المواد الاستهلاكية وإجراء الصيانة البسيطة دون عوائق إدارية.
4. توطين الصيانة وتطوير المهارات: تدريب الكوادر الوطنية على عمليات الصيانة المتوسطة، وتشجيع الشراكات مع القطاع الخاص المحلي لتوفير قطع الغيار والخدمات، مما يقلل الكلفة ويخلق فرصاً اقتصادية ويزيد من سيادة القرار التكنولوجي.
وفي الختام يجدر القول بأن الاستثمار في البنية البحثية هو بالفعل استثمار في المستقبل، لكن هذا المستقبل لا يضمن نفسه تلقائياً. فالمعدات الحديثة بلا تشغيلٍ دائمٍ وصيانةٍ واعية هي كجسم بلا روح، أو سفينة فاخرة راسية في الميناء لا تقوى على الإبحار. إن الكفاءة الحقيقية ليست في حجم ما ننفق، بل في حكمة كيف ننفق، وضمان أن يتحول كل ريال إلى قيمة مضافة مستدامة: بحث علمي رصين، خريج متمكن، ابتكار مفيد، وسمعة أكاديمية مشرفة.
إن معالجة فجوة مخصصات التشغيل والصيانة هي اختبار حقيقي في قدرتنا على دخول مضمار البحث العلمي العالمي ضمن إطار الجامعات البحثية التي توازن بين العملية التعليمية والبحث العلمي وخدمة المجتمع .
فهي ليست مسألة مالية تقنية فحسب، بل هي مسألة إرادة وقرار استراتيجي، يؤمن بأن قيمة العلم لا تقاس بثمن الأجهزة، بل بقدرتها المستمرة على إضاءة دروب المعرفة والإبداع.






