ليست القضية الجنوبية في اليمن وهمًا سياسيًا ولا ضربًا من المزايدات الخطابية بل هي قضية حقيقية ذات جذور تاريخية وسياسية واجتماعية،نشأت من تراكم اختلالات بنيوية في إدارة الدولة ومن غياب الشراكة العادلة ، ومن فشل متواصل في معالجة المظالم بعد وحدة 1990 وما تلاها. غير أن الإشكالية الكبرى لم تكن يومًا في وجود القضية بل في الطريقة التي جرى توظيفها بها بعيدًا عن جوهرها العادل ولخدمة أهداف أخرى لا تمت بصلة لمصالح الجنوب ولا لمستقبل اليمن.
لقد تم في محطات عديدة اختزال القضية الجنوبية في فصيل أو قوة عسكرية وتحويلها من مشروع حقوقي جامع إلى أداة صراع تُستخدم لفرض الأمر الواقع ، لا لبناء توافق وطني.
ومع هذا الانحراف غابت الأسئلة الجوهرية المتعلقة بمضمون القضية وحلت محلها خرائط نفوذ ومشاريع
ان الأحداث الأخيرة ولا سيما وصول قوات المجلس الانتقالي إلى حضرموت أكدت مرة أخرى أن منطق القوة لا يحل القضايا السياسية بل يعيد إنتاجها بصيغ أكثر تعقيدًا. فحضرموت ليست مجرد مساحة جغرافية بل كيان اجتماعي وتاريخي له خصوصيته ووعيه ومطالبه، وأي محاولة لفرض واقع سياسي بالقوة تؤدي بالضرورة إلى توسيع دائرة الرفض وإلى تفكيك ما يراد من إجماع جنوبي.
لقد أثبتت هذه التطورات أن القضية الجنوبية لم تعد واحدة بصيغة واحدة بل قضايا جنوبية متعددة وأن استخدام السلاح لا يوحد الصف بل يعمّق التشظي ، ويخلق مخاوف جديدة من الإقصاء داخل الجنوب نفسه. فالقضية التي تُفرض بالقوة تفقد قدرتها على الإقناع وتتحول من قضية عدالة إلى مشروع سيطرة ، وهو ما يناقض جوهرها الأصلي.
إن تتبع المسار التاريخي للصراع في اليمن الجنوبي واليمني عمومًا يكشف بوضوح الأثر السلبي الدائم لمنطق القوة. فمنذ 1967، حين طغت الصراعات المسلحة على بناء الدولة الوليدة مرورًا بأحداث 1986 م ثم حرب 1994 التي حُسمت عسكريًا دون مصالحة أو عدالة انتقالية وصولًا إلى 2015 حيث انهارت الدولة وتكاثرت الفرق المسلحة ، كان القاسم المشترك هو السلاح بوصفه أداة حسم.
واليوم، في ديسمبر 2025، يعيد الواقع إنتاج الدرس ذاته ، القوة قد تفرض وقائع مؤقته لكنها تعجز عن صناعة استقرار دائم بل تترك خلفها قضايا مؤجلة وانقسامات أعمق.
ان حضور المملكة العربية السعودية في الوقت المناسب، بحكمتها المعهودة وقراءتها الاستراتيجية العميقة وعزمها الاكيد يمثل فرصة تاريخية يجب استثمارها وعدم اضاعتها ، ولصالح اليمن والجنوب والإقليم بشكل عام ، فحين رأت المملكة أن مسار التحالف بدأ يبتعد عن أهدافه وان تعجيل ما يجب تأجيله يسبق ما يجب تعجيله وأن استمرار منطق القوة دون أفق سياسي هو انحراف بوصلة التحالف المحددة وبشكل لا يهدد اليمن وحده والقضية الجنوبيه وان كان تحت رايتها بل يهدد الاستقرار الإقليمي برمته سواء كان بوعي من القوة التي رفعت القضية الجنوبية كمشروع او بدون وعي.
هذا الإدراك السعودي دفع الرياض إلى تبني مسار تصحيحي ومنح الحالة اليمنية بشكل عام والجنوب أيضا المزيد من الاهتمام والعون والاسناد ووقف لما يخرج المنطقة عن استقرارها وامنها وبما يعيد الاعتبار للحل السياسي والحوارات الجاد والمثمر ويؤكد أن القضايا العميقة لا تُعالج بالسلاح بل بالحوار الشامل.
ومن هنا برزت أهمية الدعوة إلى مؤتمر حوار جنوبي–جنوبي في الرياض كخطوة مفصلية تهدف إلى جمع كافة المكونات والشخصيات الفاعلة في الجنوب دون استثناء من أجل إعادة تعريف القضية الجنوبية ورسم معالمها وتحديد آليات حلها تعبّر عن إرادة الجنوبيين ومرجعيات إقليمية تراعي أمن الجوار ومرجعيات دولية تمنح أي مخرجات مشروعية واستدامة.
إن الأمل معقود اليوم على نجاح مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض ليس بوصفه استحقاقًا جنوبيًا فحسب ، بل باعتباره رافعة سياسية وطنية. فنجاح هذا المؤتمر سيضيف عنصر قوة حقيقي إلى السلطة الشرعية ويعزز موقفها التفاوضي ويوحد جبهتها السياسية بما ينعكس مباشرة على ميزان الصراع مع جماعة الحوثي.
ذلك أن وجود رؤية جنوبية متوافق عليها ومحددة المعالم سيجبر جماعة الحوثي إما على القبول بتفاوض جاد يفضي إلى سلام مستدام أو سيضعها في مواجهة عزلة سياسية ومعركة عسكرية تفضي إلى هزيمتها واستعادة الدولة بوصف ذلك مدخلًا ضروريًا لتطبيق مخرجات الحوار بما في ذلك ما يتعلق بالقضية الجنوبية في إطار دولة عادلة وشاملة.
والخلاصة ان القضية الجنوبية بعد كل هذه التحولات تقف اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في منطق القوة الذي أثبت فشله تاريخيًا أو الانتقال إلى أفق الحوار والتوافق. ومؤتمر الرياض إذا ما أُحسن إدارته وشُملت فيه كل الأصوات يمكن أن يكون لحظة فاصلة تعيد للقضية الجنوبية معناها الحقيقي وتفتح باب الخروج من الصراع لا في الجنوب وحده بل في اليمن كله.
انها فرصة بين ايدينا كجنوبيين ومكرمة ملكية لملك العروبة والإنسانية وولي عهده الأمين فحذاري حذاري إن نضيعها او ان تتغلب علينا الأنا والمشاريع الخاصة او العودة إلى فكرة الاستحواذ ومنطق القوة
وبالله التوفيق.