المقالات

الصحابة الأفارقة بقلم:

لقد قدَّمت إفريقيا على مرِّ تاريخها الإسلامي الطويل نماذج مشرقة من الصحابة والدعاة الفاعلين الذين تركوا بصمةً لا تُنسى، وأثرًا لا يُمحى، وأسهموا في نشر الإسلام وإقامة شعائره، فلا غَرْوَ أن كان الدين فيها متينًا، والإسلام فيها عزيزًا.

وقد ذكر ابن بطوطة في رحلته إلى (مالي) — وهي نموذج لغيرها من دول إفريقيا — سنة ألف وثلاثمئة واثنتين وخمسين للميلاد، أن أهل مالي كانوا يربطون أولادهم بالقيود ولا يفكون وثاقهم حتى يحفظوا كتاب الله عن ظهر قلب! وقال رحمه الله:
«إذا كان يوم الجمعة ولم يُبكِّر المرء إلى المسجد فإنه لن يجد مكانًا يُصلّي فيه، وذلك لشدة الزحام وكثرة إقبال الناس على أماكن العبادة».

وفي بداية الدعوة، من منا لا يذكر الصحابة الأفارقة رضي الله عنهم، وهم مجموعة من الذين ينحدرون من مناطق إفريقية، أو وُلدوا من أم أو أب إفريقي. ويُعد الصحابة الأفارقة من أوائل الذين هداهم الله للإسلام، ومن أبرزهم الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه، أحد السابقين وأول مؤذن في الإسلام، اشتهر بصبره وثباته على الحق، وكان من المستضعفين الذين عُذّبوا في مكة.

بالإضافة إلى شخصيات إفريقية أخرى من أصحاب البشرة السمراء الذين ساهموا بشكل كبير في نشر الدعوة الإسلامية، وقدموا تضحيات جسيمة في سبيل الدعوة إلى الإسلام، مما يبرز الدور المبكر للقارة الإفريقية في بداية الدعوة الإسلامية.

ومنهم الصحابي الجليل أسامة بن زيد بن حارثة بن شرحبيل، أصغر قائد جيش عرفه التاريخ الإسلامي، أسلم مع والده زيد بن حارثة رضي الله عنهما، وكان من أحب الصحابة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك أمه الصحابية أم أيمن «بركة» بنت ثعلبة رضي الله عنها، حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تعود أصولها إلى الحبشة، وشهدت الهجرة إلى الحبشة.

ومنهم المقداد بن الأسود، أو «المقداد بن عمرو»، الذي كان من السابقين إلى الإسلام، وشهد بدرًا، ويعود أصله إلى الحبشة، وكان رضي الله عنه واحدًا من الفرسان الشجعان.

ومنهم مهران الحبشي «ميسرة»، وهو صحابي جليل أصله من الحبشة، كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم أيضًا الصحابي الجليل المنذر الإفريقي رضي الله عنه، شارك في العديد من الفتوحات الإسلامية، ووصل إلى الأندلس، ودُفن في ليبيا.

وكان الكثير من الصحابة الأفارقة من أوائل من هداهم الله للإسلام رغم الاضطهاد، فقد رأوا في الدين الإسلامي الحنيف منقذًا لهم من الرق والعبودية، وأصبحوا جزءًا من أمة واحدة.

شارك العديد منهم في الفتوحات الإسلامية، وشهدوا معارك هامة، ونال الكثير منهم الشهادة، وأثبتوا أن الإسلام لا يفرّق بين الناس على أساس اللون أو العرق، وأن التقوى هي المعيار.

ويقدّر الكثير من الدارسين والباحثين أن عدد الصحابة الكرام من أصول إفريقية قد يتجاوز المئة، مما يدل على عمق الجذور الإفريقية للإسلام.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى