كان العنوان مفاجئاً وجذاباً ولم أجد بداً من اقتناء الرواية أصل الأنواع وفكرت مباشرة في الفصل الثالث من كتاب داروين وقلت لا بد أن يكون هذا الفصل هو الذي يجعل كاتباً روائياً يختار هذا العنوان أعني التناحر على البقاء ولست أدري حقيقة لأن هذا محض افتراض الله أعلم هكذا رد الشاب الذي سلمني العمل على تساؤلاتي وابتسم داروين ذاته كان سارداً عظيماً أيضاً واقتنعت ورحت أبحث عن براهين خلف قناعتي في الرواية التي كتبها المصري أحمد عبد اللطيف في روايته التي حملت حكاية مصرية تقليدية وغير تقليدية في الوقت نفسه تقليدية تحكي برمزية عالية ما يحدث لمصر وأبناء مصر من منظور الراوي بالطبع وغير تقليدية لأن شخصيات الرواية يفقدون شيئاً فشيئاً أعضاء من أجسادهم رام مهندس مدني يفقد شعره في البداية بتشان فكهاني في الواجهة مخبر في السر يفقد أصابع يديه العشر يحيى الحافي لاعب كرة محترف في مطلع الثلاثين من عمره يرى نهاية شهرته قريباً ويفقد أصابع قدميه ناريمان تفقد صدرها وتربطها علاقة معقدة بالثلاثة وهذا التشوه والفقد المفاجئ للأطراف والأعضاء يتمدد للشخصيات الأخرى وللناس من حولهم في رواية برزخية بين الوعي واللاوعي نصف سوريالية أو أكثر لعب فيها الراوي دور البطولة الخطابية لا الحكائية إذ هو راوٍ خارجي في حالة هذيان مستمرة ويمكن القول إن صيغة السرد هي أكثر ما يميز هذا العمل وللحق فإن هذا الجانب جعلني أفكر في إمكانية ترشح الرواية لجائزة ما وحين رأيتها في القائمة الطويلة للبوكر هذا العام لم أتفاجأ وضحكت ذلك أن الحكاية لا تحمل كثير دهشة وليس فيها ما يستدعي الوقوف لولا خطابها الذي ظهر على لسان راوٍ خارجي يحكي بصيغة الغائب ببرود سردي قاتل عن الشخصيات وعما يدور في حيواتهم وفي أعماق نفسياتهم وفي هلوساتهم أحياناً بتبئير يجعلك تشعر أنك تقرأ رواية ضمن تيار الوعي وتتجول في وعي إنسان مستمر المونولوج هذا الشخص هو الراوي يفكر ويهمس في سريرته وأنت تسمع هسيس الحكايات والقصص وتحاول أن تجمع أطرافها لتبني سردية ما دون أن تغفل عن عدد من حيل الكتابة كالمفارقات السردية التي لا تخلو من مسحة ساخرة بمثابة ألغام صغيرة تنفجر في وجه القارئ بين حكاية وأخرى كذلك الذي رأى كلباً صغيراً ولأنه كان ينظر إليه قرر أن يشتريه أو أولئك الذين اشتروا حذاء الحافي بألوانه المختلفة رغم أن الناس عموماً لم تعد تفرق معهم الألوان ولا يمكن طبعاً تجاوز أسلوب الكتابة المسترسلة التي يظهر فيها النص كتلة واحدة دون فراغات أو تمييز للحوارات عن السرد ودون علامات ترقيم أبداً فرواية أصل الأنواع ترشحت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر رغم أنها كتبت دون علامات ترقيم مثلها مثل مقالي هذا الذي تأثر على ما يبدو بأسلوبها ولعل هذا ما دعا شيخنا داروين ليفتتح كتابه بالقول إن الأنواع خاضعة للتكيف
0


