مثّل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – رحمه الله – مدرسة متكاملة في القيادة الخليجية والعربية؛ مدرسة قامت على الحكمة السياسية، والاتزان الدبلوماسي، واحترام سيادة الدول، وبناء العلاقات على أساس المصالح المشتركة، لا على منطق النفوذ والصدام. وقد كان من أبرز إنجازاته التاريخية مشاركته الريادية في تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981م بوصفه إطارًا وحدويًا لحماية أمن الخليج واستقراره، وتعزيز العمل العربي المشترك.
وفي مواقفه الإقليمية، ظل الشيخ زايد وفيًا للثوابت الخليجية والعربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث عبّر بوضوح عن مركزيتها بوصفها جوهر الصراع في المنطقة، مؤكدًا أن وحدة الصف العربي هي خط الدفاع الأول أمام مشاريع الهيمنة والتوسع.
كانت علاقته بالمملكة العربية السعودية نموذجًا للعلاقة الاستراتيجية المتجذرة في التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك عندما قال : الإمارات مع السعودية قلباً وقالباً وأكد ضرورة التآزر بين البلدين معتبراً السعودية قوة خليجية وعربية وإسلامية أساسية ومحورية .
غير أن المتابع لمسار السياسة الخارجية الإماراتية في السنوات الأخيرة يلحظ تحولات عميقة في أدوات العمل الإقليمي وطبيعته، سواء في اليمن أو ليبيا أو السودان أو الصومال أو سوريا.
هذه التحولات تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول مدى انسجام هذا المسار مع الإرث السياسي الذي تركه الشيخ زايد، ومع مبادئ مجلس التعاون الخليجي القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام سيادتها، والعمل عبر الأطر الجماعية للحفاظ على الأمن والسلم الدولي .
وفي اليمن، على سبيل المثال، تقود المملكة العربية السعودية تحالفًا عربيًا يستند إلى الشرعية الدولية بهدف استعادة مؤسسات الدولة اليمنية والحفاظ على وحدتها. غير أن تعدد الفاعلين المحليين وتباين الأجندات الإقليمية أسهما في تعقيد المشهد السياسي والأمني، وأضعفا فرص الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة ويُلاحظ أن دعم التشكيلات المسلحة ودعمها بالسلاح خارج إطار الدولة يمثل تحديًا مباشرًا لمسار بناء الدولة اليمنية ، ويطيل أمد الصراع بين الشعب اليمني الشقيق بدلًا من تقصيره.
أما في بقية الملفات الإقليمية، فإن التحول من دور «الدولة الوسيطة» ضمن دول التحالف العربي الذي تقوده السعودية اليوم إلى دور «الدولة الفاعلة ميدانيًا» عبر أدوات أمنية وعسكرية غير تقليدية، يحمّل السياسة الخارجية كلفة سياسية ، واقتصادية ،وأخلاقية واستراتيجية متزايدة، ويضع الدولة في قلب صراعات نفوذ متشابكة تتجاوز منطق المصالح الوطنية المستقرة .
وفي السياق ذاته، فإن الانفتاح الإماراتي المتسارع على إسرائيل، بمعزل عن وحدة مجلس التعاون الخليجي والأمن القومي العربي، يمثل تحولًا استراتيجيًا جديداً يخرج عن الإجماع الخليجي والعربي التقليدي العام كما يمثل التغريد خارج السرب وتمكين العدو في غير حاجة .
إن السياسة الخارجية ليست مجرد شبكة تحالفات آنية أو استثمارات اقتصادية قصيرة المدى، بل هي تعبير عن هوية الدولة ورسالتها ومكانتها في محيطها الحضاري ومن هنا، فإن السؤال الجوهري المطروح اليوم هو: هل يخدم المسار الحالي للإمارات أمن الخليج واستقراره على المدى القريب والبعيد؟ أم أنه يفتح أبوابًا جديدة لصراعات النفوذ ويغذي الاستقطابات الإقليمية؟
لقد أثبتت التجربة أن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا عبر احترام سيادة الدول، ودعم مؤسساتها الوطنية، والعمل المشترك تحت مظلة الشرعية الدولية، وبالتنسيق مع العمق الخليجي والتحالف العربي، وفي مقدمة ذلك التحالف المملكة العربية السعودية التي تمثل ركيزة التوازن الاستراتيجي في المنطقة.
انعطاف قلم :
إن العودة إلى روح زايد السياسية ليست مسألة رمزية أو عاطفية، بل خيار استراتيجي يعيد للإمارات دورها الطبيعي كجسر للتلاقي لا ساحة للصراع، وكقوة استقرار لا أداة استقطاب ، وتبقى الحكمة السياسية هي رأس المال الحقيقي للدول، وتبقى وحدة الصف الخليجي هي الضمانة الأولى لأمن المنطقة ومستقبلها.





