الملف اليمنيتحقيقات وتقارير

لماذا بقيت السعودية مع القضية الجنوبية… ولماذا غاب الزبيدي عنها؟

في الوقت الذي أكدت فيه المملكة العربية السعودية التزامها الثابت بدعم القضية الجنوبية عبر مسار الحوار السياسي الشامل، يواصل عيدروس الزبيدي غيابه خارج البلاد، وسط تساؤلات شعبية وسياسية متزايدة حول أسباب ابتعاده عن المشهد في مرحلة مفصلية كان يفترض أن يكون فيها حاضرًا بين أبناء الجنوب أو مشاركًا في صياغة مستقبلهم عبر القنوات الوطنية المشروعة.

ويرى مراقبون أن الفارق بات واضحًا بين نهج المملكة القائم على احتضان الحوار الجنوبي ودعم مخرجاته بما يحقق تطلعات أبناء الجنوب، وبين سلوك الزبيدي الذي اختار الغياب في لحظة تتطلب مسؤولية سياسية ومواجهة مباشرة مع الواقع. ويؤكد هؤلاء أن انعقاد اللقاء التشاوري «على طريق الحوار» في المملكة، ورفع العلم الجنوبي خلاله وعزف نشيده، يعكس التزامًا سعوديًا صريحًا بالتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية عادلة تُناقش في إطار سياسي جامع، لا مشروعًا فرديًا يُدار من الخارج.

وتفيد تقارير حكومية يمنية بأن المجموعات المسلحة الموالية للزبيدي والمدعومة من الإمارات ارتكبت انتهاكات واسعة في حضرموت وعدن، شملت السطو على ممتلكات الدولة، والخطف، والقتل، والتهجير القسري، إضافة إلى تخريب المؤسسات الرسمية ونهب مقراتها، ما ألحق أضرارًا مباشرة بالمجتمع المحلي وزاد من حالة الغضب الشعبي.

كما كشفت السلطات عن وجود تجهيزات عسكرية وأدوات قتل وتعذيب داخل قاعدة الريان، وُصفت بأنها لا تتوافق مع أهداف تحالف دعم الشرعية ولا مع مبادئ الأخوة العربية والإسلامية، الأمر الذي اعتبره مراقبون دليلاً على ممارسات مشبوهة استهدفت زعزعة الاستقرار وليس حمايته. وأكدت هذه الاكتشافات، بحسب مصادر رسمية، أن القضية الجنوبية استُخدمت غطاءً سياسيًا لتبرير ممارسات مسلحة ضد المدنيين الجنوبيين أنفسهم، وإقصاء مطالبهم الحقيقية، خدمةً لأجندة خارجية تسعى إلى نشر الفوضى وعرقلة أي مسار سياسي للحل.

وفي موازاة ذلك، برز ما بات يُعرف بـ«ملف الأراضي والعقارات» كأحد أبرز العوامل التي ساهمت في تآكل الثقة الشعبية بالزبيدي. حيث تداولت تقارير محلية ووثائق معلومات عن عمليات استحواذ واسعة طالت ممتلكات عامة ومواقع استراتيجية في عدن ولحج، جرى تسجيل بعضها بأسماء أقارب ومقربين منه. وتشير تلك التقارير إلى الاستحواذ على مساحات شاسعة من أراضي المنطقة الحرة المخصصة لميناء عدن، وأراضٍ مطلة على البحر في جزيرة العمال التابعة لهيئة موانئ عدن، إضافة إلى السيطرة على نحو مئة فدان في بئر فضل بعدن، وما يقارب أربعة آلاف فدان في منطقة رأس عمران، وألف فدان في محافظة لحج، فضلًا عن الاستحواذ على حوش النقل البري في الشيخ عثمان، والمعهد الهندسي في التواهي، والحوش التابع لشركة النفط اليمنية في خور مكسر.

ويرى مراقبون أن هذه الملفات كشفت استخدام القضية الجنوبية غطاءً لتوسيع النفوذ الاقتصادي والعقاري على حساب ممتلكات الدولة وحقوق المواطنين، ما شكّل صدمة واسعة في الشارع الجنوبي، خاصة في حضرموت وعدن، وأدى إلى تراجع كبير في الثقة السياسية والشعبية به.

ووفقًا لتقارير قانونية، فإن هذه الممارسات تندرج ضمن مخالفات جسيمة لقانون الجرائم والعقوبات اليمني، وقانون محاكمة شاغلي الوظائف العليا، بما يشمل المساس باستقلال الدولة، وخرق الدستور، وتشكيل جماعات مسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية، وهو ما أفقده – بحسب مختصين – أي مشروعية أخلاقية أو سياسية في تمثيل القضية الجنوبية التي يؤكدون أنها قضية عادلة لا يجوز اختزالها في شخص أو توظيفها لمصالح خارجية.

وفي المقابل، يؤكد مراقبون أن استمرار المملكة في دعم الحوار الجنوبي يعكس رؤية مختلفة تقوم على الحل السياسي، والاحتواء، وبناء التوافق، بعيدًا عن منطق السلاح والشعارات. ويرى محللون أن من يحمل قضية وطنية حقيقية لا يفرّ منها، بل يبقى بين شعبه أو يحضر إلى طاولة الحوار، ويواجه الأسئلة الصعبة بشجاعة سياسية، لا أن يختار الغياب في لحظة حاسمة.

ويشير متابعون إلى أن وعود الزبيدي المتكررة بالتحرير والاستقلال تحولت إلى شعارات فقدت تأثيرها بعد أن كشفت العقود والتفاهمات غير المعلنة عن توظيف سياسي واقتصادي للقضية الجنوبية، بعيدًا عن أي مشروع فعلي لبناء دولة أو تحقيق تطلعات المواطنين.

ويبقى السؤال الذي يتردد اليوم في الأوساط الشعبية والسياسية: هل كان الغياب نتيجة لانكشاف المشروع؟ أم هروبًا من مواجهة الحقيقة بعد سقوط الثقة الشعبية؟ ولماذا اختار الخارج في الوقت الذي اختارت فيه السعودية البقاء مع القضية الجنوبية عبر الحوار؟

ويرى مراقبون أن الإجابة باتت واضحة لدى أبناء الجنوب، الذين يؤكدون أن قضيتهم أكبر من الأشخاص، وأعمق من أن تُدار من خلف الحدود، وأن الطريق الحقيقي لاستعادة الحقوق لا يمر عبر الهروب، بل عبر الحوار الوطني، والمشاركة السياسية، وتحمل المسؤولية أمام الشعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى