كَانَ الَّذِي خِفْتُ أَن يَكُونَا إِِنَّا إِلَى اللهِ رَاجِعُونَا
أَمْسَى الْمُرَجَّى أَبُو عَلِيٍّ مُوَسَّدًا فِي الثَّرَى يَمِينَا
حِينَ اسْتَوَى وَانْتَهَى شَبَابًا وَصَدَّقَ الرَّأْيَ وَالظُّنُونَا
أُصِبْتُ فِيهِ وَكَانَ عِنْدِي عَلَى الْمُصِيبَاتِ لِي مُعِينَا
كُنْتُ كَثِيرًا بِهِ عَزِيزًا وَكُنْتُ صَبًّا بِهِ ضَنِينَا
دَافَعْتُ إِلَّا الْمَنُونَ عَنْهُ وَالْمَرْءُ لَا يَدْفَعُ الْمَنُونَا
آخِرُ عَهْدِي بِهِ صَرِيعًا لِلْمَوْتِ بِالذُّلِّ مُسْتَكِينَا
يَشْخَصُ طَوْرًا بِنَاظِرَيْهِ وَتَارَةً يَكْسِرُ الْجُفُونَا
إِذَا شَكَا غُصَّةً وَكَرْبًا لَاحَظَ أَوْ رَجَّعَ الأَنِينَا
يُدِيرُ فِي رَجْعِهِ لِسَانًا يَمْنَعُهُ الْمَوْتُ أَن يُبِينَا
ثُمَّ قَضَى نَحْبَهُ فَأَمْسَى فِي جَدَثٍ لِلْبِلَى رَهِينَا
بَعِيدَ دَارٍ غَرِيبَ جَارٍ قَدْ فَارَقَ الْإِلَفَ وَالْقَرِينَا
بَاشَرَ وَجْهَ الثَّرَى بِوَجْهٍ قَدْ كَانَ مِنْ قَبْلِهِ مَصُونَا
بُنَيَّ! يَا وَاحِدَ الْبَنِينَا غَادَرْتَنِي مُفْرَدًا حَزِينَا
هَوَّنَ رُزْئِي بِكَ الرَّزَايَا عَلَيَّ فِي النَّاسِ أَجْمَعِينَا
تَاللهِ أَنْسَاكَ مَا تَجَلَّى صُبْحُ نَهَارِ الْمُصْبِحِينَا
وَمَا دَعَا طَائِرٌ هَدِيلًا وَرَجَّعَتْ وَالِهٌ حَنِينَا
تَصَرَّفَ الدَّهْرُ بِي صُرُوفًا وَعَادَ لِي شَأْنُهُ شُؤُونَا
أَصَابَ مِنِّي صَمِيمَ قَلْبِي وَكَادَ أَن يَقْطَعَ الْوَتِينَا
وَالدَّهْرُ رَهْنٌ بِحَالَتَيْهِ فَشِدَّةً مَرَّةً وَلِينَا
جاءَ في خَبَرِ هذهِ القصيدةِ أنَّ أبا تمَّامٍ حبيب بنَ أوسٍ الطَّائيَّ رَثَى بها ابنًا لهُ.
والقصيدةُ مِنْ مُخَلَّعِ البسيطِ، وهو بَحْرٌ فيهِ، كما يقولُ عبد الله الطَّيِّبُ، “نوعٌ مِنِ اضطرابٍ وحَجَلانٍ بينَ الخِفَّةِ والثِّقَل، وقدْ كَرِهَتْهُ أذواقُ المتأخِّرِينَ إلا قليلًا؛ لأنَّهُ، فيما يبدو، نَغَمُ بداوةٍ يَصْلُحُ للشَّدْوِ وما إليهِ، ولا يستقيمُ عليهِ ما يطلبُهُ الذَّوقُ الحضريُّ المعقَّدُ مِنْ أنواعِ الغِناءِ”. [المُرْشِدُ إلى فَهْمِ أشعارِ العربِ وصِناعتِها: 1/131]
لماذا أقولُ هذا؟
لأنَّ موسيقا القصيدةِ هادئةٌ جِدًّا، كأنَّما فيها استكانةٌ واستسلامٌ للمُصِيبةِ التي نَزَلَتْ بالأبِ المكلومِ، ثُمَّ إنَّنا لا نكادُ نَجِدُ فيها فَنَّ أبي تمَّامٍ وتَلاعُبَهُ، وكأنَّما أدَّاهُ استسلامُهُ لهذهِ الفاجعةِ أنْ لا يَحُولَ ما بينَهُ وبينَ نَفْسِهِ، فأنَّى لتلكَ النَّفْسِ المكلومةِ أنْ تستجيبَ لنزعتِهِ الفنِّيَّةِ في الْجَدَلِ، وحَسْبُهُ أن يَلُوذَ بالبديعِ – وهو فنُّهُ الأثيرِ – علَى هُونٍ، يُلِمُّ بهِ إلمامًا يسيرًا، دُونَ أن يَتَوَغَّلَ فيهِ، ويأخُذَهُ بقُوَّةٍ، وانتزَعَ البلاغيُّونَ، علَى عادتِهِمْ، مِنَ القصيدةِ بيتًا يصلُحُ شاهِدًا علَى مَلْمَحٍ بديعيٍّ، واعتدُّوا الشَّطْرَ الثَّاني مِنَ البيتِ الأوَّلِ: “إِنَّا إٍِلَى اللهِ رَاجِعُونَا” شاهدًا علَى “الاقتباسِ” الحَسَنِ مِنَ القرآنِ الكريمِ.
ولا لومَ علَى البلاغيِّينَ فيما ابتغُوهُ، فهذهِ صِناعتُهُمْ، وسبيلُهُمْ، في هذا الموضعِ، غيرُ سبيلِ الشَّاعرِ، وغيرُ سبيلِ مُتَلَقِّي الشِّعْرِ، وفي القصيدةِ ذاتِ البحرِ المستكِينِ الهادئِ ما يُوْشِكُ أن يَدْفَعَ بها لِتَكُونَ بينَ الشِّعْرِ وبينَ النَّثْرِ، فلا تعقيدَ، ولا تَهْوِيلَ، ولا مُبالَغةٌ. إنَّ القصيدةَ تُسْتَهَلُّ ببيتٍ تقريريٍّ، عسانا لا نلقَى فيهِ كبيرَ فنٍّ، بادِيَ النَّظَرِ، ما دُمْنا نطلبُ مِنَ الشِّعْرِ أن يَتَعاصَى علينا ويَتَمَنَّعَ، وهذا عهدُنا بأبي تمَّامٍ، ووَلَعِهِ بِـ “نَوَافِرِ الأضدادِ”، وتُطالِعُنا القصيدةُ هادئةً، تُغَلِّبُ الموتَ، وقدْ حَلَّ، علَى الرَّجاءِ، وإذا هذا المطلعُ الشَّجِيُّ الذي فيهِ تسليمُ المُسْلِمِ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ، يُخْفِي تَحْتَهُ خَوْفًا مِنَ الموتِ الذي خِيفَ علَى ابْنِهِ أن يَكُونَ، وإنَّنا لنْ نَفْهَمَ هذا المطْلَعَ إلا بِوَصْلِهِ بما يعتقدُهُ العربيُّ متَى أُصِيبَ بمُصِيبةِ الموتِ والفقدِ.
وأذكُرُ أنَّني كُنْتُ أتَعَجَّبُ مِنْ عَدِّ الأصمعيِّ قَوْلَ أوس بْنِ حَجَرٍ أَرْثَى بيتٍ قالَتْهُ العربُ:
أَيَّتُهَا النَّفْسُ! أَجْمِلِي جَزَعَا إِنَّ الَّذِي تَحْذَرِينَ قَدْ وَقَعَا
وكُنْتُ أرى كلامَ الأصمعيِّ صحيحًا، وكُنْتُ أُحِسُّ أَثَرَهُ في نَفْسي؛ أُحِسُّ ما فيهِ مِنْ جَمَالٍ – ورُبَّما كانَ جلالًا – دُونَ أنْ أستطيعَ لِمَا أُحِسُّهُ تصويرًا وتعبيرًا. ولَبِثْتُ علَى هذا الحالِ أَمَدًا طويلًا، حتَّى تَيَسَّرَ لي فَهْمُ ما في هذا المَطْلَعِ الشَّجِيِّ مِنْ جَلَالٍ. وبينما كُنْتُ أقرأُ كِتابَ (التَّعازي والمَرَاثي) لأبي العبَّاس محمَّد بن يزيدَ المُبَرِّدِ = إذا بي أَقِفُ علَى بُغْيَتي؛ فالعربُ تقولُ: “الْحَذَرُ أَشَدُّ مِنَ الوقيعةِ”! وفَسَّرَ ذلكَ بقولِهِ: “إنَّما حَقُّ الشَّيءِ المُتَخَوَّفِ أن يَكُونَ صاحِبُهُ مُرْتاعًا حَذَرَ وُقُوعِهِ، فإذا وَقَعَ البأْسُ ارتفَعَ ذلكَ الْحَذَرُ”!
هكذا فَهِمْتُ الْجَلالَ الثَّاوي في بيتِ أوسِ بْنِ حَجَرٍ، وهكذا أفهمُ ما في استهلالِ أبي تمَّامٍ مِنْ شَجًى وجلالٍ، وما فيهِ مِنْ حُزْنٍ هادئٍ رَزِينٍ.
كانَ أبو تمَّام يخافُ مَوْتَ ابنِهِ أبي عَلِيٍّ! إنَّهُ يخافُ المُصِيبةَ قَبْلَ أنْ تَحِلَّ، فلمَّا حَلَّتْ استسلَمَ، وهو المُسْلِمُ المؤْمِنُ، لقضاءِ اللهِ، فناسَبَ هذا المطْلَعُ ذلكَ الرَّجاءَ، والخوفَ، والاستسلامَ، والرُّجُوعَ إلى اللهِ – تباركَ وتعالَى -، وكُلُّ ما جاءَ في القصيدةِ، بَعْدَ البيتِ الأوَّلِ، بَسْطٌ لموتِ الابْنِ الحبيبِ الذي كانَ مِنْ شأْنِهِ في حياتِهِ ما كانَ؛ فهو المُعِينُ، وهو الحبيبُ، وهو العزيزُ، وها هو ذا لَمَّا ابْتُلِيَ بالمرضِ: صريعُ الموتِ، يَذَلُّ لهُ ويستكينُ، لا يستطيعُ مِنْ أمرِهِ قليلًا ولا كثيرًا، إنَّهُ ماتَ قَبْلَ أن يَمُوتَ!
والقارئُ الذي لمْ يَتَّصِلْ بالقصيدةِ مِنْ قَبْلُ عساهُ لا يَعْرِفُ مِنْ أمرِ الميِّتِ أبي عَلِيٍّ شيئًا، لا يَعْرِفُ قُرْبَهُ مِنَ الشَّاعِرِ، حتَّى إذا أَقْبَلَ علَى البيتِ الرَّابِعَ عَشَرَ عَرَفَ أنَّ الشَّاعرَ إنَّما يَبْكِي ابْنَهُ وفِلْذَةَ كَبِدِهِ، وكأنَّما أرادَ الشَّاعرُ أن يستوقِفَ مُتَلَقِّي شِعْرِهِ فجاءَ بالبيتِ مُرَصَّعًا، وكأنَّهُ استهلالٌ جديدٌ يليقُ بالميِّتِ الحبيبِ القريبِ:
بُنَيَّ يَا وَاحِدَ الْبَنِينَا غَادَرْتَنِي مُفْرَدًا حَزِينَا
أَقْرَبُ الظَّنِّ أنَّ الشَّاعرَ يَكْتُمُ غُصَّةً، خَشْيَةَ أنْ تَدْفَعَ بهِ بعيدًا مِنِ استسلامِهِ ورُجُوعِهِ إلى اللهِ.
نَعَمْ، كانَ حبيبُ بْنُ أوسٍ صابرًا راضيًا، ونِعِمَّا فِعْلُهُ، لكنَّ في قصيدتِهِ أمرًا هو كالأصلِ في فَهْمِهِ لحياةِ الإنسانِ في هذهِ الأرضِ؛ أَعْنِي سُوءَ ظَنِّهِ بِـ “الدَّهْرِ”، فإذا الأبياتُ الثَّلاثةُ التي يَخْتَتِمُ بِهِنَّ القصيدةَ، تَبْعَثُ ما يَعتقِدُهُ أبو تمَّامٍ صِرَاعًا بينَهُ وبينَ الدَّهْرِ؛ فمَرَّةً يُهادِنُهُ، وتارَةً يُعاكِسُهُ:
تَصَرَّفَ الدَّهْرُ بِي صُرُوفًا وَعَادَ لِي شَأْنُهُ شُؤُونَا
أَصَابَ مِنِّي صَمِيمَ قَلْبِي وَكَادَ أَن يَقْطَعَ الْوَتِينَا
وَالدَّهْرُ رَهْنٌ بِحَالَتَيْهِ فَشِدَّةً مَرَّةً وَلِينَا
رَحِمَ الله حبيبًا وابْنَهُ وغَفَرَ لَهُما!






