
لفت انتباهي منذ الوهلة الأولى ببشاشته ووقفته التي يعلوها الحياء، ذلك الرجل الصامت المبتسم، الذي ما إن يمر بجوار أحد زملائه إلا ويبادره بالتحية، سبّاقًا إلى الخير، معطاءً بالكلمة الطيبة. إنه الصديق والإنسان، الشيخ الإعلامي عبدالكريم بن صالح المقرن، رحمه الله.
جاء بعدي إلى الإذاعة بسبع سنوات، وفي أيامه الأولى سألني: كيف العمل معكم؟ أنا فقط أريد أن أتخصص في البرامج الدينية. وكان يزور سعادة وكيل الوزارة الأستاذ الدكتور علي الخضيري كثيرًا في مكتبه ليستفيد من توجيهاته. لم يكن كثير الكلام، لكنك تفهم ما يريد مباشرة، ولذلك عهدتُ إليه العمل معنا مذيعَ ربط في إذاعة القرآن الكريم، إضافة إلى مشاركته في عدد من البرامج والحوارات مع أصحاب السماحة والفضيلة في البرامج الدينية.
وحسب علمي، لم يُحرج أي إداري تعامل معه، وأنا واحدٌ منهم حين كنت رئيسًا لقسم المذيعين؛ إذ كان يستلم جدول العمل التنفيذي بهدوء، دون أي تعليق، على غير ما جرى عليه العرف مع الزملاء الآخرين من حوارٍ أو مناقشة أو طلبات لاختيار الأوقات المناسبة لأعمالهم.
بقي الزميل المغفور له بإذن الله الأستاذ عبدالكريم صامتًا عاملاً منفذًا، رغم تحمّله أعباءً أخرى، فقد كان ينقل صلاة الجمعة من جامع الإمام تركي بن عبدالله، ويقدّم برنامج «نور على الدرب» وبرامج وندوات أخرى، أحسن تقديمها، والتزم بالانضباط في إخراجها للمجتمع بوعي وفكر وإخلاص. وكان ذلك نتيجة إيمانه الكامل برسالته الإعلامية، وتفانيه في عمله حتى آخر لحظة، حين ودّع هذه الفانية إلى الباقية عند رب كريم رحيم.
ولمحتُ في شخصيته شخصية العالم المتدين الذي اتخذ من هذه المهنة الإعلامية إحدى المنصات الدعوية، بأسلوب يختلف عن الآخرين، فنجح الأستاذ أبو خالد في أداء رسالته بهدوء ووعي وتفانٍ، كتب الله له الأجر.
لقد تابعت ما نشرته وسائل التواصل والمنصات الإعلامية، فرأيت بشارات ودعاءً وثناءً عليه من القريب والبعيد، وهي علامة تنبئ عن محبة الناس له، وحبّ الله له ـ بإذن الله ـ أقرب وأعظم. وكما جاء في الأثر: «أنتم شهداء الله في الأرض».
لقد كنتَ، يا أخي أبا خالد، صديقًا للجميع، محبًا للخير، فزّاعًا عند الحاجة، وستبقى ابتسامتك المعهودة في نفوسنا جميعًا في أروقة الإذاعة والتلفزيون، وفي عقول محبيك ومتابعيك. ولن ننسى بيوت العلماء التي شهدت أنفاسك وصوتك؛ يومًا في بيت سماحة المفتي، ويومًا في منزل الشيخ ابن عثيمين، ويومًا في الجامع الكبير، ويومًا في الاستديو.
كنتَ أمينًا على رسالتك، وفيًا لأصدقائك، محبًا لمستمعيك، ولذلك إن فقدوا جسدك فلن يفقدوا عطاءك، ولا صوتك، ولا علمك.
رحمك الله رحمةً واسعة، وغفر لنا ولك، يا رب العالمين.






