منتدى القصة

نقطة اللا رجعة

وليد الحداد

لم يكن يعرف متى بدأت الحكاية،
ولا أيّ تفصيلة صغيرة كانت الشرارة الأولى.
ربما كانت نظرةً طال بها الصمت أكثر مما ينبغي،
أو جملةً عابرة تُركت معلّقة بينهما
حتى أثقلت الهواء.
كل ما كان يعرفه أن الأشياء لم تعد كما كانت،

وأن المسافة بينه وبينها
لم تعد قابلة للقياس.

كان يقف في مكانٍ يشبه المفترق،
لكن بلا طرق واضحة.
مكان لا تُرى فيه النهايات،
ولا يُسمع فيه غير صدى النفس.
هناك،
يتحوّل التردّد من حالة مؤقتة
إلى إقامة طويلة.

بين أن يهرب إليها
وبين أن يفرّ منها،
كانت تتشكّل نقطة اللا رجعة
بهدوءٍ مقلق،
كأنها قرار يُصاغ دون ضجيج.

الهروب إليها
لم يكن اندفاع عاشق،
بل محاولة أخيرة
لإنقاذ شيءٍ لم يتأكّد من وجوده بعد.
كان يعرف أن الاقتراب
سيجبره على خلع أقنعته واحدةً واحدة،
أن يواجه هشاشته
دون عناوين بديلة.
كان يخشى أن يكتشف
أن ما يشعر به
أكبر من قدرته على الاحتمال،
أو أصغر من أن يُقال بصوت عالٍ.

وفي المقابل،
كان الفرار منها
يبدو كخيارٍ عقلاني،
منطقي،
يليق بمن يريد النجاة بأقل الخسائر.
لكن المنطق هنا
كان يشبه قاربًا مثقوبًا،
يَعِد بالعبور
ولا يضمن الوصول.
فالفرار
لم يكن سوى تأجيلٍ للهزيمة،
محاولة لدفن سؤال
ظلّ ينبض رغم كل شيء.

كان الزمن يراقبه بلا رحمة.
الدقائق لا تمرّ،
بل تتكدّس.
كل لحظة
كانت تطلب منه اعترافًا جديدًا:
هل يخاف من الفقد،
أم من الامتلاك؟
هل يريدها كما هي،
أم كما يتخيّلها حين يغلق عينيه؟

خطا خطوةً صغيرة،
ثم توقّف.
تراجع خطوةً أكبر،
ثم ضحك بخفوت.
أدرك أن الجسد
يتحرّك أحيانًا
حين يعجز العقل عن الحسم.
وأن القلب،
حين يُستنزف،
لا يطلب حلًّا
بل نهاية واضحة.

في تلك اللحظة،
تعرّت الذرائع.
لا توقيت مناسب،
ولا ظروف ناضجة،
ولا جملة تمهيدية.
كان الخيار وحيدًا:
إما أن يدخل التجربة كاملة،
أو يخرج منها
دون أن يلتفت.

شعر بثقلٍ في صدره،
ليس ألمًا،
بل وعيًا.
وعيًا بأن بعض الأبواب
لا تُغلق خلفنا،
بل تُغلق داخلنا.
وحين تُغلق،
نصبح أشخاصًا آخرين
دون أن نلاحظ التغيّر فورًا.

أخذ نفسًا عميقًا،
وتحرّك.
لم يعد يهمّه الاتجاه،
لأن العودة
لم تعد خيارًا حقيقيًا.

نقطة اللا رجعة
ليست لحظة تهوّر،
بل لحظة صدق قاسٍ.
فيها لا نختار بين شخصين،
بل بين صورتين للذات:
إحداهما تعيش الاحتمال،
والأخرى تعيش السلام.
وكلاهما…
يدفع الثمن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى