المقالات

الحرف للحرف إشارة، والكلمة للكلمة بيان

«رحى لطيفة»

 

لستُ كاتبةً متخصصة،

ولستُ محققةً في دهاليز السياسة أو تفاصيلها،

غير أن يقينًا يسكن القلب يقول إننا جميعًا مسؤولون عن التفكر فيما يجري حولنا.

 

فالعالم ليس مسرحًا بعيدًا عنّا،

بل مرآة تتقاطع فيها أفعال البشر ونواياهم،

وما يحدث فيه لا ينفصل عن سننٍ ثابتة في الحياة.

 

ومن هذا المنطلق، حين تأخذني بعض لقطات المسرحية السياسية التي نشهدها اليوم،

أكاد أراها تذكّر بمقدمات الحروب الكبرى في صفحات التاريخ،

وكأن المشهد يعيد إلى الذاكرة بدايات مراحل عصيبة عرفتها البشرية من قبل.

 

ونعوذ بالله المهيمن ونلوذ به، ونستجير برحمته من شرور الأشرار،

ومن جور المتسلطين، وجشع النفوس حين تعميها شهوات الدنيا،

ونأمل باسم الله الرحمن الرحيم ألّا يكون ما نراه اليوم تمهيدًا لمآسٍ جديدة في تاريخ الإنسان.

 

فالتاريخ، لمن تأمله بصدق،

لا يكرر الأحداث حرفيًا،

وكم لكنه يعيد إشاراته لمن أراد أن يقرأها.

 

ًغير أن ما يُسمّى في الظاهر صراع سيادة أو تنافس سلطة بين الدول،

قد يكون في جوهره انعكاسًا لغضب الإنسان حين يتوهّم العظمة والسيطرة على غير وجه حق،

والعظيم حقًّا هو الله وحده،

ونحن منه وإليه.

 

قد تختلف الديانات،

وتتباين الأعراق،

وتتعدد الطوائف،

لكن في قانون الحياة سنّة ثابتة لا تتبدل:

أن الحق باقٍ، وأن الظلم مردود على صاحبه.

 

وقد حرّم الله الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرّمًا،

كما جاء في الحديث القدسي الذي رواه الصحابي أبو ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي ﷺ:

 

«يا عبادي، إني حرّمتُ الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا».

 

ثم يلفت القرآن الكريم نظر الإنسان إلى سنّة التغيير المرتبطة بأفعال البشر، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

 

وهنا يتجلى معنى عميق في قراءة التاريخ:

أن الأحداث ليست معزولة عن نيات أصحابها،

ولا منفصلة عن سننٍ جارية في حياة البشر.

 

والتجارب السابقة، والتاريخ الإنساني على وجه الخصوص،

يشهدان أن للكون سننًا راسخة ومحكمة،

لا تحيد عنها أمة إذا انحرفت،

ولا تتغير قوانينها بتغير الأزمنة،

بل تمضي ثابتة عبر الأيام.

 

ومع ذلك، فإن السؤال الذي يتردد في أذهان كثير من المتابعين اليوم:

هل ما نشهده من توتر بين القوى الكبرى يشبه مقدمات الحروب الكبرى في التاريخ؟

 

فالتاريخ يذكر أن إحدى أعظم الحروب في القرن الماضي اندلعت عام 1939، واستمرت حتى عام 1945، وشاركت فيها عشرات الدول، وخلّفت ملايين الضحايا من البشر.

 

ولذلك يرى كثير من المؤرخين أن الحروب الكبرى لا تبدأ فجأة،

بل تسبقها دائمًا مراحل من التوترات السياسية والصراعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى.

 

غير أن التاريخ لا يُقرأ بالتشابه وحده، بل بما يحيط به من ظروف مختلفة أيضًا.

فالعالم اليوم يعيش في ظل توازنات جديدة وعوامل ردع لم تكن موجودة في تلك الأزمنة.

 

لكن التأمل في سنن التاريخ يكشف حقيقة تتكرر عبر العصور:

أن الصراعات البشرية قد تتجدد بصور مختلفة،

وأن الطمع أو التنافس على النفوذ قد يقود الأمم إلى أزمات متشابهة في جوهرها، وإن اختلفت أشكالها.

 

غير أن التاريخ يروي لنا وجهًا آخر من الحكاية أيضًا؛

فكما تتكرر الأخطاء، تتكرر كذلك محاولات البشر لتجاوزها.

فكثيرًا ما تعلّمت الأمم من الكوارث الكبرى،

وسعت

ولو بعد حين

إلى تجنب إعادة الطريق ذاته.

 

وهنا يتكشف معنى أعمق لمن تأمل قليلًا:

أن فهم العالم لا يبدأ دائمًا من الخارج،

بل يبدأ من الداخل.

 

فكلما اقترب الإنسان من نفسه،

وأصغى بصدق لما يدور في أعماق روحه،

اكتشف أن كثيرًا من الحكايات التي تدور حوله

لم تكن بعيدة عنه كما ظن.

 

هناك، في تلك المسافة الهادئة بين التأمل والإحساس،

يتجلى معنى بسيط وعميق في آنٍ واحد:

 

أن الداخل يفتح باب فهم الخارج.

 

كذلك نحن،

في حدود ما وهبنا الله،

نحاول أن نتفكر؛

فالعقل نعمة عظيمة،

والتأمل باب من أبواب المعرفة.

 

وقد قال تعالى:

 

﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾

 

ومن هذا المنطلق أرى أن القلم أمانة،

وأن الكلمة رسالة حين تُكتب لا ينبغي أن تكون مجرد حروف،

بل رسالة تحمل نية الخير والفائدة.

 

فإن وصل صوتها إلى من أراد التأمل،

وفهم منها نظرة واقعية للحياة والأحداث،

فذلك فضل من الله قبل أن يكون جهدًا من الكاتب.

 

فالحرف للحرف إشارة،

والكلمة للكلمة بيان.

 

فهل نتفكر ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى