المقالات

الاقتصاد الذكي (Smart Economy).. ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الناتج المحلي الإجمالي

في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها عالمنا اليوم، برز مفهوم الاقتصاد الذكي (Smart Economy) كنموذج اقتصادي حديث ومحل أهتمام عالمي. حيث الأقتصاد الحديثة يعتمد على دمج التكنولوجيا الرقمية والابتكار في جميع جوانب الحياة الاقتصادية. هذا النموذج لا يقتصر فقط على زيادة الإنتاجية وتحسين الأداء الاقتصادي، إنما يمتد ليشمل تحقيق التنمية المستدامة التي تراعي الأبعاد البيئية والاجتماعية إلى جانب النمو الاقتصادي من منظور استراتيجي ذكي وحديث.

الاقتصاد الذكي يمثل رؤية مستقبلية تتيح للدول والمنظمات الاستفادة من الأدوات التكنولوجية المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، وتحليل البيانات الضخمة لتحقيق تنمية شاملة ومتوازنة. وفقًا لتقرير منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، يمكن أن يساهم الاقتصاد الذكي في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 10% في الدول المتقدمة و5% في الدول النامية.

جوهر الاقتصاد الذكي (Smart Economy) يكمن في الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة لتحويل البيانات والمعلومات إلى أدوات فعالة تساعد في اتخاذ القرارات الاقتصادية بشكل أكثر دقة وسرعة. من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعلم الآلي، والروبوتات، يمكن تحسين العمليات الإنتاجية، تقليل الهدر، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد الطبيعية والبشرية. هذا التحول لا يقتصر على قطاع معين بل يشمل مختلف القطاعات الاقتصادية مثل الصناعة، الزراعة، الخدمات، والتجارة الإلكترونية، مما يؤدي إلى تنويع مصادر الدخل وزيادة فرص العمل.

الاقتصاد الذكي يساهم مساهمة كبيرة في تعزيز الاستدامة البيئية من خلال تطوير حلول ذكية تقلل من الانبعاثات الضارة وتحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. كما يعمل على تحسين جودة الحياة من خلال توفير خدمات صحية وتعليمية ذكية تسهل وصول الأفراد إلى احتياجاتهم الأساسية بطرق مبتكرة وأكثر فعالية. من الناحية الاقتصادية، يؤدي تبني هذا النموذج إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي عبر رفع مستوى الإنتاجية وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال، مما يعزز القدرة التنافسية للدول في الأسواق العالمية.

الاقتصاد الذكي (Smart Economy) هو نموذج اقتصادي يعتمد على استخدام التكنولوجيا الحديثة والبيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي لتحسين الكفاءة وتحقيق التنمية المستدامة. أهميته تكمن في قدرته على تعزيز الإنتاجية، تحسين جودة الحياة، وتقليل الهدر في الموارد. أهداف الاقتصاد الذكي تشمل تعزيز الابتكار، دعم الاقتصاد الرقمي، وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. من عناصره الأساسية: البنية التحتية الرقمية، رأس المال البشري المؤهل، الابتكار والتكنولوجيا، وسياسات داعمة تساهم في تطوير بيئة اقتصادية ذكية ومتطورة.

ومن أبرز تطبيقات الاقتصاد الذكي (Smart Economy) في رؤية المملكة 2030 هو تطوير منتجات وخدمات ذكية مثل الخدمات المالية الذكية، المدن الذكية، المصانع الذكية، والمنازل الذكية، والمنظمات التعليمية الذكية، والمستشفيات الذكية. هذه التطبيقات تعزز من كفاءة استخدام الموارد، وتحسن جودة الحياة، وتساهم في تحقيق التنمية المستدامة. وفقًا لتقرير الهيئة العامة للإحصاء، بلغ حجم السوق الذكية في المملكة حوالي 15 مليار ريال سعودي في عام 2023، ومن المتوقع أن يصل إلى 40 مليار ريال سعودي بحلول عام 2030.

يعتبر الاقتصاد الذكي (Smart Economy) نقلة نوعية في كيفية فهمنا وإدارتنا للموارد الاقتصادية والتكنولوجية، حيث يجمع بين التطور التكنولوجي والتنمية المستدامة لتحقيق نمو اقتصادي متوازن وشامل. إن الاستثمار في بناء اقتصاد ذكي ليس خيارًا، إنما ضرورة حتمية لمواكبة تحديات العصر وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة. من خلال تبني هذا النموذج، يمكن للدول والمنظمات أن تخلق بيئة اقتصادية مرنة وقادرة على التكيف مع المتغيرات العالمية المتسارعة، مما يعزز من فرص الازدهار والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل من منظور استراتيجي.

تتطلب رؤية الاقتصاد الذكي في المملكة جهودًا متكاملة لتعزيز البنية التحتية الرقمية، حيث يعد الاستثمار في هذا الجانب أساسًا لتحقيق التحول الذكي بكفاءة وفعالية. كما لا بد من تطوير رأس المال البشري من خلال برامج تدريبية مستمرة تواكب التطورات التكنولوجية الحديثة، مما يضمن توفر الكفاءات المؤهلة لدعم هذا التحول. إلى جانب ذلك، يجب دعم الابتكار والتكنولوجيا عبر توفير بيئة محفزة وتمويل مناسب للمشاريع البحثية والتطويرية التي تسهم في دفع عجلة الاقتصاد الذكي.

كما أن تعزيز الشراكات الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص يمثل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة والمستقبلية، حيث يمكن من خلال هذه الشراكات تبادل الخبرات والموارد. ومن جهة أخرى، ينبغي مواكبة التطورات التكنولوجية من خلال تحديث المناهج التعليمية وتزويد المؤسسات التعليمية والتدريبية بالمهارات اللازمة التي تلبي متطلبات سوق العمل في الاقتصاد الذكي.

علاوة على ما سبق، يُعتبر تحفيز مراكز الدراسات والأبحاث والكراسي البحثية ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد الذكي، حيث تلعب هذه المؤسسات دورًا محوريًا في إنتاج المعرفة والابتكار الذي يُسهم في تطوير التقنيات الحديثة وتحسين الأداء الاقتصادي. لذلك، ينبغي توفير الدعم المالي والتقني لهذه المراكز، بالإضافة إلى تشجيع التعاون بين القطاع الأكاديمي والقطاع الصناعي والحكومي، مما يخلق بيئة بحثية متكاملة تواكب تحديات ومتطلبات الاقتصاد الذكي.

كما يمكن تعزيز هذا الدور الحيوي من خلال تأسيس جوائز علمية وعالمية مرموقة تكرم الإنجازات والابتكارات في مجال الاقتصاد الذكي، بحيث تكون هذه الجوائز محفزًا قويًا للباحثين والمبدعين على مواصلة التميز والإبداع. بالإضافة إلى ذلك، يمكن تنظيم مؤتمرات وورش عمل دولية تسلط الضوء على أحدث التطورات والتحديات في هذا المجال، مما يعزز من مكانة الدولة كمركز عالمي للابتكار والبحث العلمي.

وأخيرًا، لا بد من إعادة النظر في المناهج الدراسية وتطويرها بشكل مستمر لتتوافق مع متطلبات الاقتصاد الذكي، من خلال إدخال مسارات تعليمية متخصصة تركز على المهارات التقنية والتحليلية والابتكارية. يجب أن تستهدف هذه المناهج تجهيز الأجيال القادمة بالمعرفة العميقة والمهارات العملية التي تؤهلهم للنجاح في سوق العمل العالمي، مع التركيز على تطوير القدرات الرقمية، الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، وريادة الأعمال التقنية. هذا التوجه يضمن بناء قاعدة بشرية متقدمة قادرة على قيادة التحول الاقتصادي الذكي وتحقيق التنمية المستدامة على المستوى الوطني والدولي.

د. علي محمد الحازمي

خبير وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى