عِيدٌ بِأَيَّةِ حَالٍ عُدْتَ يَا عِيدُ…
نعم، قال المتنبي القصيدة المشهورة التي بدأت بهذا المطلع ، فقد قال في رثاء حاله وحزنه عندما غادر مصر هارباً من كافور الإخشيدي. : عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ
أمّا الأحبّةُ فالبيداءُ دونهمُ
فليت دونك بيدًا دونها بيدُ ولكن كيف أتى المتنبي إلى كافور؟ وكيف غادر؟
المتنبي شاعر عظيم، ولكن أهلكته أطماعه في السلطة وحب السطوة. فلم يكتفِ بأنه الشاعر الذي لا يُضاهى في ذلك العصر، ولا بقربه من الحكام ومجالسهم، بل كانت أهواؤه تدفعه إلى المزيد… بينما هذا “المزيد” كان يتسرّب من بين يديه، نتيجة تفوقه وحدة لسانه وقوة بيانه.
فالحسد والغيرة لا ينموان إلا في بيئة الحضوة وعلو الشأن، خاصة إذا كان صاحبها بقدرات المتنبي، وفي زمنٍ كان القرب من الحاكم فيه سلطةً بحد ذاته. وغالبًا ما تنتهي هذه الطموحات إلى طريقٍ مسدود، إن لم تكن إلى التصفية… والأمثلة كثيرة، وليس ما حدث للبرامكة إلا واحدة منها.
فالمتنبي، بعد سنوات العسل مع سيف الدولة الحمداني، أصيبت العلاقة بالفتور، نتيجة حسد جلسائه له، إذ كان يفضّله على غيره من الشعراء، وكان سيف الدولة والمتنبئ متقاربين في العمر، فترافقا نحو تسع سنوات في الرخاء والحروب.فلذا كثر الحاقدون عليه.
وبما أن لكل شيء—مهما طال—نهاية.
فقد غادر المتنبي بعد أن اختصم مع خلوية في مجلس سيف الدولة، وخاطبه بكلام جارح. فغضب خلوية وضربه بمفتاح في يده، فسال دمه، ولم ينتصر له سيف الدولة، فغادر حلب، وقال قصيدته التي جمعت مشاعر متناقضة: عتابًا يصل حد الاستجداء، واعتدادًا بالنفس يلامس الكبرياء والأنفة، فضلًا عما حوته من حكمٍ صار بعضها أمثالًا.
واحرَّ قلباهُ ممَّن قلبُهُ شَبِمُ
ومن بجسمي وحالي عنده سقمُ
ما لي أكتم حبًّا قد برى جسدي
وتدّعي حبَّ سيف الدولة الأممُ
…أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صممُ
ثم ذهب إلى كافور الإخشيدي، الذي كان عبدًا مملوكًا، ثم حكم مصر قرابة عشرين سنة. فمدحه أولًا، ثم أيقن أن كافورًا قد فطن لأطماعه، خاصة بعد أن طلب ولايةً ومنصبًا، فلم ينل ما أراد.
وهنا تغيّر الوجه…
فكما عاتب سيف الدولة وأبقي له قدره وإحترامه ، لكنه هجا كافورًا هجاءً لاذعًا، ونعته بأوصاف قاسية، ثم غادر مصر إلى العراق، ومنها إلى فارس، وفي طريق عودته قُتل على يد فاتك بن أبي جهل الأسدي ، ثأرًا لهجائه إبن أخته .
لكن… بين عيد المتنبي وعيدنا فرق.
نعم، يمرّ العيد على الأمة العربية—وخاصة الخليجية—في ظل أحداث مقلقة لا ينكرها أحد. فالنظام الإيراني، كما تثبت الأيام، لا أمان له، مهما أكدت دول الخليج—وفي مقدمتها المملكة—أنها ليست طرفًا في الصراع.
فإيران دولة قامت على تغذية الصراعات، ووجهها القبيح لا يتغير… ومن شبّ على شيء شاب عليه.
ومع ذلك…
ليس المطلوب أن نقطّب الجبين ونستقبل العيد بوجوهٍ عابسة. فالعبوس لا يحمي الأوطان، وإنما يحميها—بعد توفيق الله—القيادة الساهرة علي أمنه ومصالحه ، وشعبٌ واعٍ، واصطفافٌ صادق خلف القيادة ، وثقةٌ فيما يصدر عن الجهات المختصة من تعليمات وتوجيهات ، ودعاءٌ مخلص أن يحفظ الله هذا الوطن.
كل عام وأنتم بخير يا مليكنا وسندنا وعزوتنا،كل عام وأنتم بخير يا ولي عهدنا الأمين الحكيم الحازم ،
كل عام وأنتم بخير أيها الشعب العظيم دمتم فرحين مستبشرين .في وطن الأمن والسلام والإستقرار .
الفرح بالعيد لا يناقض الحذر… لكنه يذكّرنا أن الأوطان تُحمى بالعزيمة، لا بالوجوه العابسة.
الأوطان لا يحميها الحزن… بل وعي أهلها.”
دمت يا وطني شامخًا… لا يجاريك في علوك وفخامتك وطن.


