إشارةً إلى المقال المنشور في صحيفة مكة بعنوان:
“عزاء الأديب… بين قدسية اللحظة وسؤال الثقافة… قراءة في مشهد رحيل سعيد السريحي”
بتاريخ 2026-02-19، أكتب هذه السطور من داخل التجربة، بوصفها لحظة عشتها في بيت والدي الراحل، الناقد سعيد السريحي، حين جاءه العزاء من روائي يحمل حساسية السرد معه كما يحمل حضوره الإنساني.
أنا إقبال، ابن الراحل، ابن عبد من عباد الله ضعيف في قبرة معدوم الحيلة تحت الارض، تركنا ونحن بحاجه له نسعد بان نلتقي بمن احبهم واحبوه ونؤمن على كل دعوة نلتقطها من هنا وهناك.
وأعرف أن الروائي يدخل البيوت بعينٍ مختلفة. يلتقط التفاصيل الصغيرة، ويصغي لما يتخفّى خلف الكلمات، ويتعامل مع اللحظة بوصفها مشهدًا حيًا يتشكل أمامه. يعرف أن الزمن سريع في محو الجزئيات، وأن السفر يبدّد ترتيب الذاكرة، وأن بعض الجمل تُقال مرة واحدة ثم تصبح جزءًا من أثر لا يعود. لذلك يصبح حرصه على حفظ بعض التفاصيل أمرًا مفهومًا، لأنه يرى أن قيمة اللحظة تكمن في ملمسها، في نبرتها، في ما تتركه داخل النفس قبل أن تغادر.
وقد كان الزائر الدكتور أحمد السياري، وكان يلفتني في كل مرة أدعوه فيها بـ”دكتور” أنه يصرّ بإلحاح لطيف أن أتخلى عن هذا اللقب. بدا الأمر كأنه رغبة واعية في أن يخفف المسافة الرسمية، وأن يترك للإنسان فيه مساحة أوسع من التعريف. كان يتصرف وكأنه يريد أن يمنعني من تثبيت حضوره في إطار جامد، وأن يفتح الباب أمام الروائي الذي يسكنه كي يظهر دون قيد، وكأنه يذكّرني أن الألقاب أحيانًا تعزل جوهر الإنسان بدل أن تقرّبه.
كما انه وفي عزاء ناقد أدبي، من الطبيعي ان تتكاثر طبقات المعنى. فيتحول المجلس إلى مساحة يستعاد فيها الأثر كما يستعاد الشخص، وتصبح الزيارة امتدادًا لتاريخ طويل من القراءة والوعي والمواقف. وقد يكون الدكتور أحمد، وهو يجلس في بيت والدي، قد استحضر لحظة قديمة قرأ فيها ما كتبه أبي عنه، أو استعاد أثرًا تركه الراحل في ذاكرته النقدية والوجدانية فتتداخل لحظة العزاء مع لحظة القراءة، فيصبح الحضور نفسه نقطة التقاء بين النص والحياة، وبين الذاكرة الشخصية والذاكرة الثقافية.
لذلك فإن المشهد، حين نعلّقه على وفاة أديب وحده، يصبح تعليقًا ناقصًا؛ لأن من يعزينا في الأصل كان أديب اخر، يحمل مشروعه ووعيه وحساسيته. ومن هنا فإن فهم النصف الأول من الصورة يقتضي أن نفهم النصف الآخر معها. فكما أن الراحل ترك أثره الذي يستدعي القراءة، فإن المعزّي جاء وفي داخله طبيعة الكاتب الذي يحفظ اللحظة كما يحفظ النص، ويخشى على تفاصيلها من الضياع، لأن الأدباء لا يمرون على الأحداث مرورًا عاديًا، بل يلتقطونها ويعيدون تشكيلها في الوعي.
اخيرا في وجهة نظري ما يميز عزاء الأديب ليس قيامه على الحزن الإنساني فقط بل في تجاوزه ذلك وتركه أثرًا يتجاوز لحظة الفقد، لأن من عاش بالكلمة يبقى حاضرًا في الوعي حتى بعد أن يغيب جسده،
ويتعاظم هذا الاثر ان ارتبط العزاء بمن جاء يحمل الكلمة في حضوره، فمن الطبيعي ان تتجاوز اللحظة افق المعتاد لتصبح شهادةً على الإنسان والفكرة معًا.