يُعدّ الصقر أحد أبرز الرموز التي ارتبطت بمرحلة التأسيس في تاريخ شبه الجزيرة العربية، حيث شكّل دلالة معاني القوة والقدرة والجاهزية، وكان حاضرًا في الوجدان الثقافي للمجتمع آنذاك، ليصبح جزءًا من الهوية التي شكّلت ملامح تلك المرحلة التاريخية.
تمثّل مرحلة الدولة السعودية الأولى 1157ه/1744م، مرحلة مفصلية في تاريخ الجزيرة العربية، إذ شهدت نجد خلالها تحولات سياسية واجتماعية انعكست على نمط الحياة السائد، وقد كانت الصحراء إطارًا للحياة اليومية، حيث اعتمد الناس على الصيد والترحال وأساليب معيشة تقوم على الحركة والتنقل والعلاقات القبلية.
ولم يكن الصقر يُستخدم بوصفه رمزًا سياسيًا في تلك المرحلة، إلا أن ممارسة الصيد كجزء من الحياة اليومية تشير إلى حضور الصقور ضمن أدوات المعيشة، فقد ارتبطت الصقاره بالقدرة على التكيّف مع البيئة الصحراوية، وبالمهارة والخبرة، كما عُدّت من السمات التي تعكس مكانة صاحبها ومعرفته بطبيعة الأرض والمواسم.
ولطالما كانت الصقور مصدر رزق للكثيرين، ومصدر فخر واعتزاز، حيث رافقت الملوك وأبناء المملكة في حلهم وترحالهم، وأصبحت تراثًا حيًا شاهدًا على مسيرة التأسيس والنهضة والازدهار، ولما للصقر من أهمية ودور رافق التأسيس في عهد الدولة السعودية الأولى قبل ثلاثة قرون.
فجاء شعار يوم التأسيس في هويته البصرية بوجود الصقر ضمن خمسة عناصر ورموز جوهرية، إلى جانب العلم السعودي والنخلة والخيل العربية والسوق، واتخذت بعض الجهات الرسمية من الصقر عنصرًا رمزيًا في شعاراتها، لما يحمله من دلالات تاريخية وثقافية في الوعي المحلي.
كما أن ما عُرف من تبادل الصقور هدايا بين شيوخ القبائل، يعكس قيمتها الرمزية في الصلح والتقدير وتعزيز العلاقات الاجتماعية، ومن ثمّ يمكن القول إن الصقر مثّل رمزًا غير رسمي يعكس القيم التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى، مثل القوة والاعتماد على النفس والقدرة على التكيّف مع البيئة.
فقد حضر الصقر في الشعر العربي بوصفه رمزًا للقوة والحرية وعلو الهمة، إذ شبّه الشعراء الفرسان بالصقور في جرأتهم وسرعة مبادرتهم وحدة بصرهم، وقد ارتبط الصقر في القصيدة العربية بمعاني السيادة والاستقلال وعدم الخضوع، فأصبح صورة بلاغية تعبّر عن الشجاعة والإقدام.
وفي الشعر النبطي في الجزيرة العربية، اقترن الصقر بمعاني الرجولة والكرامة والفخر، فكثيرًا ما يُشبَّه الشيخ القائد أو الرجل الشجاع “بالحر” الذي يقصد به الصقر، في إشارة إلى سمو المكانة وبعد النظر وقوة الشخصية، فمن أشهر الأبيات الشعرية، ما كتبته الأميرة الجوهرة بنت تركي في زوجها عبدالله بن رشيد:
“حرٍ شلع من دار قصر بن دواس *** يم الجبل فرّق فروخ الحباري”
كما شبّه الشاعر عبدالرحمن الحوطي، الملك عبدالعزيز الذي لُقب “بصقر الجزيرة” في أول قصيدة له عند استرداد الرياض بالصقر، فقال:
“دار يا اللي سعدها تو ما جاها *** طير حوران شاقتني مضاريبه
صيدته يوم صف الريش ما اخطاها *** يوم شرّف على عالي مراقيبه
جا الحباري عقاٍب نثر دماها *** في الثنادي على الهامة مضاريبه”
كما شبة أيضًا الشاعر فهد بن دحيم أبناء الملك عبدالعزيز بالصقر، فقال:
“مني عليكم ياهل العوجا سلامٍ يزيد *** واختص ربع بالمراجل تظهر حقوقها
فروخ الحرار اللّي تطلّع في نهار الهديد *** من نسل أبو تركي شبوب الحرب بسبوقها”
ويكشف هذا الحضور الشعري أن الصقر لم يكن مجرد طائر يُستخدم في الصيد، بل رمزًا ثقافيًا يعكس منظومة القيم الاجتماعية مثل الشجاعة والقيادة والاعتزاز بالذات.
وكان عام 2017م نقطة مفصلية في تاريخ الصقارين السعوديين، إذ صدر الأمر الملكي بتأسيس نادي الصقور السعودي، ليجمع آلاف الصقَّارين في مناطق المملكة تحت رابطة واحدة، وتعزيز جودة الحياة انسجامًا مع رؤية المملكة 2030، وخدمةً للموروث المتجدد جيلًا بعد جيل.
ويحظى الصقر كهواية باهتمام الآلاف من الصقارين السعوديين الذين يشاركون سنويًا في الفعاليات التي ينظمها نادي الصقور السعودي، ومنها مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور، أكبر مسابقة صقور في العالم، وكأس العلا للصقور، إضافة إلى سباقات الملواح والمعارض والمزادات المتخصصة.
وتهدف هذه الفعاليات إلى الحفاظ على الصيد بالصقور وتربيتها ورعايتها كموروث حضاري، إذ تُعد المملكة إحدى الدول المدرجة في لائحة اليونسكو للدول المربية للصقور، وموطنًا لأنواع مختلفة منها، وممرًا لأخرى مهاجرة، الأمر الذي يعكس ريادة المملكة في هذا الموروث العريق.
كما تتميّز المملكة العربية السعودية بموقعها الجغرافي وتنوّع بيئاتها الطبيعية، مما جعلها موطنًا وممرًا لعدد من أنواع الصقور المقيمة والمهاجرة، وتشير الدراسات البيئية الصادرة عن المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، إلى وجود عدد من الأنواع الرئيسة في المملكة، من أبرزها:
الصقر الحر، وهو من أشهر الصقور في الجزيرة العربية. صقر الوكري، ينتشر في المناطق الصحراوية وشبه الجافة وكان يستخدم تقليديًا في الصيد. صقر الشاهين، يكثر مروره بأجواء المملكة خلال مواسم الهجرة، وهو أسرع الطيور في العالم. الصقر الجير، فهو نادر الوجود في الجزيرة العربية وأكبر أنواع الصقور حجمًا.
ويعكس هذا التنوع أهمية المملكة بوصفها بيئة حاضنة للصقور وممرًا طبيعيًا لهجرتها، مما يعزز الجهود الوطنية في حمايتها وتنظيم صيدها وتربيتها بوصفها جزءًا من التراث البيئي والثقافي
وحضر الصقر في الشعر العربي بوصفه رمزًا للقوة والسمو، فشبّه به الشعراء أهل الشجاعة والهيبة في قصائدهم، مثل الشاعر محمد العازمي، فقال:
“حــرٍ تنحـى عـن عـيــون الـدرابـيـل *** عـــن جــو نـاسٍ تـوهــم شايفيـنه
ابيض نحر و اشقر ظهر وافي الذيـل *** جـثل المـتـون اللي قــدح شــر عيـنه
مـسـرولٍ مـاجـرحــتــه الـثــواليل *** و لاشـيـف لــه عـنـد الصقاقيـر عينه”
تُبرز النقوش الأثرية على أرض المملكة عمق العلاقة بين الإنسان والصقر منذ آلاف السنين، إذ كشفت آثار حضارة “المقر” عن وجود نقوش تعود لأكثر من 9 آلاف سنة قبل الميلاد، تُظهر استئناس العرب للصقور والخيل في وقت مبكر جدًا من تاريخ الجزيرة العربية، ويعكس هذا الإرث العريق مدى المكانة التي حظي بها الصقر في حياة الإنسان القديم، كرمز للرفعة والقوة والشجاعة.
وقد ارتبط امتلاك الصقور بالمكانة الاجتماعية، وكان دليلًا على الهيبة والقيادة، مما جعلها جزءًا من الهوية الثقافية للقبائل عبر القرون، واستمر هذا الارتباط التاريخي حتى مرحلة الدولة السعودية الأولى، حيث برز الصقر كرمز يعكس أصالة المجتمع وقدرته على الاعتماد على الطبيعة في معيشته ومهاراته، إلى جانب دوره في الصلح بين القبائل واستخدامه كهدايا تعبيرًا عن التقدير والاحترام.
ويشكّل هذا التاريخ الطويل دليلًا على أن الصقر لم يكن مجرد طائر في حياة أبناء الجزيرة، بل جزءًا من قصة الإنسان على هذه الأرض، وامتدادًا لتراث ما زال حاضرًا بقوة حتى يومنا هذا، شاهدًا على عراقة الماضي وعمق الجذور الحضارية للمملكة.