«طلاليات»
منذ أن صدح نداء الخليل إبراهيم عليه السلام، والقلوب تهفو إلى بيت الله الحرام، تتقاطر أفواج الحجيج من مشارق الأرض ومغاربها، ملبّين نداء الرحمن، يرجون رحمته ويبتغون رضوانه في رحلة إيمانية عظيمة تتجدد عامًا بعد عام.
ومع هذا التوافد المتزايد لضيوف الرحمن، أصبحت الحاجة ملحّة إلى منظومة متكاملة من الخدمات والرعاية، تشمل التوسعات الكبرى، ومرافق الضيافة، وشبكات النقل الحديثة، ووسائل الوصول الآمنة إلى المشاعر المقدسة، بما يحقق للحجاج أداء مناسكهم بكل يسر وطمأنينة وسهولة.
وقد أولت المملكة العربية السعودية هذا الشرف العظيم جلّ اهتمامها وعنايتها منذ عهد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود، الذي جعل خدمة الحرمين الشريفين ورعاية الحجاج نهجًا ثابتًا للدولة، وصولًا إلى عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبمتابعة واهتمام مباشر من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئس مجلس الوزراءحيث شهدت مكة المكرمة والمشاعر المقدسة أكبر مشاريع التطوير والتوسعة في التاريخ الإسلامي الحديث.
فقد امتدت التوسعات العملاقة في المسجد الحرام ليستوعب الملايين من قاصدي بيت الله الحرام، إلى جانب إنشاء الجسور والكباري والأنفاق الحديثة، وتطوير منشأة الجمرات وفق أعلى معايير السلامة والتنظيم، إضافة إلى تطوير مشعري منى وعرفات، وتجهيزها بالبنية التحتية والخدمات الصحية والأمنية والإرشادية، بما يمكّن الحجاج من أداء مناسكهم في بيئة آمنة ومنظمة رغم الأعداد المليونية التي تتوافد خلال أيام معدودة وفي وقت محدد.
ولم تكن هذه الجهود لتتحقق بهذا المستوى المشرف لولا تكاتف أبناء الوطن من المواطنين السعوديين الذين يجسدون أروع صور الكرم والتعاون وخدمة ضيوف الرحمن. فالمواطن السعودي، في مختلف مناطق المملكة، يعد شريكًا أساسيًا في نجاح موسم الحج، من خلال ما يقدمه من مبادرات إنسانية وتطوعية، وحسن استقبال، وروح تعكس القيم الأصيلة للمجتمع السعودي في خدمة الإسلام والمسلمين.
كما تتضافر جهود القطاعات الأمنية كافة، من رجال الأمن البواسل الذين يسهرون على أمن الحجاج وسلامتهم، وينظمون حركة الحشود والطرق والمنافذ بكل احترافية واقتدار، إلى جانب جهود وزارة الحج والعمرة والجهات الحكومية والخدمية والصحية والتطوعية، التي تعمل ضمن منظومة متكاملة هدفها الأول راحة ضيوف الرحمن وتمكينهم من أداء مناسكهم في أجواء يسودها الأمن والسكينة والطمأنينة.
وتشارك في هذه المنظومة كذلك مختلف الوزارات والهيئات، من الخدمات الصحية والإسعافية، إلى النقل والمياه والكهرباء والبلديات والاتصالات، في صورة وطنية مشرّفة تعكس حجم العناية التي توليها المملكة للحرمين الشريفين وقاصديهما.
إن ما تقدمه المملكة العربية السعودية للحجاج والمعتمرين ليس مجرد خدمات تنظيمية فحسب، بل رسالة سامية وشرف عظيم تتوارثه القيادة والشعب جيلاً بعد جيل، ليبقى الحج نموذجًا عالميًا فريدًا في الإدارة والتنظيم والرعاية الإنسانية، وتجسيدًا حقيقيًا لرسالة هذه البلاد المباركة في خدمة الإسلام والمسلمين.
0





