المقالات

الخطاب الثقافي العابر للحدود يعيد تعريف الهوية والانتماء

يمثل الخطاب الثقافي العابر للحدود اختباراً لقدرة المجتمعات على الحفاظ على أصالتها، وفي الوقت ذاته التفاعل الإيجابي مع العالم، إذ أنه ليس تواصلاً وشراكة تفاعلية، بقدر ماهو مشروع حضاري يتطلب استثماراً في التعليم، والإعلام، وصناعة المحتوى، والسياسات الثقافية الراسخة.
ويتطلب صناعة الخطاب الثقافي الوعي بأهمية الثقافة كقوة ناعمة قادرة على تحويل العبور من تهديد محتمل إلى فرصة حقيقية للحضور والتأثير، في زمنٍ تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتقلص فيه المسافات بفعل التقنية، التي لم يعد خلالها الخطاب الثقافي حبيس الجغرافيا أو رهين الحدود السياسية، حيث أعاد تشكيل الوعي الجمعي، والتأثير في أنماط التفكير والسلوك، وإعادة تعريف مفاهيم الهوية والانتماء.
وبات الخطاب الثقافي العابر للحدود؛ مع إسهام الثورة الرقمية، ومنصات التواصل الاجتماعي، يخاطب جمهوراً عالمياً متعدد التوجهات، مما أوجد بيئة تفاعلية تتجاوز الفوارق اللغوية والعرقية، وتؤسس لنمط جديد من الحوار الإنساني، مستندةً على تطوير المفاهيم وإتاحة فرص التعارف والتبادل الحضاري، مما يثري الهوية، وتُحسن تقديم نفسها للآخر.
ويستطيع الموروث الثقافي في ظل هذا الاهتمام ، تقديم صورة متوازنة عن المجتمعات العربية في المحافل الدولية. وخلق نمطاً من التفاعل الرمزي والمعرفي الذي يتجاوز الأطر الوطنية، ويؤسس لفضاء ثقافي عالمي مشترك، تعرض خلاله الثقافات المحلية على نطاق عالمي، والتروبج للعادات والتقاليد والمنتجات الفكرية والفنية من سياقها المحلي إلى جمهور دولي في لحظات، مما بعزز من حضور الثقافات الوطنية في المشهد العالمي.
ولم يعد الخطاب الثقافي حكراً على المؤسسات الرسمية أو النخب الفكرية، بل أصبح صناعة جماعية تشاركية. فالمستخدم العادي بات منتجاً للمحتوى، وقادراً على التأثير في تشكيل الصور الذهنية عن مجتمعه وثقافته.. هذا التحول أدى إلى إعادة تعريف مفاهيم الهوية والانتماء، حيث تتداخل الهويات المحلية مع التأثيرات العالمية في إطار ما يمكن تسميته بـ”الهوية الهجينة”.
ويمكن القول إن مستقبل الخطاب الثقافي سيتحدد بمدى قدرة المجتمعات على توظيف الإعلام الرقمي لتعزيز هويتها، مع الانفتاح الواعي على العالم، في معادلة دقيقة بين المحلية والعالمية.

محمد العواجي

كاتب صحفي - جدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى