لا أحد يستطيع التنبؤ بدقة بموعد انتهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والمستمرة منذ 28 فبراير 2026.
فالوضع لا يزال في طور التصعيد من الجانبين، مع ضربات أمريكية-إسرائيلية مستمرة تستهدف القدرات الصاروخية والبحرية والقيادة الإيرانية، يقابلها رد إيراني بصواريخ نوعية وانشطارية لا تقل حمولة الرأس المتفجر فيها عن طن، إلى جانب الطائرات المسيّرة التي استهدفت إسرائيل وأهدافًا أمريكية، حتى إن دول الجوار لم تسلم من تداعيات هذا التصعيد.
حتى الآن لا توجد مؤشرات واضحة على وقف إطلاق نار أو مفاوضات جادة، رغم الحديث المتكرر عن قرب نهاية الحرب.
أما السقف الذي تضعه إسرائيل فيتمثل في تغيير النظام الإيراني أو إضعافه جذريًا.
ومع ارتفاع أسعار النفط، بدأت أصوات الشعوب تلوم الإدارة الأمريكية التي شنت حربًا منفردة ومفاجئة دون اعتبار لميثاق الأمم المتحدة، رغم جولات التفاوض الأمريكية-الإيرانية عبر عُمان وغيرها، والتي كانت قد اقتربت من تحقيق اختراق سياسي قبل أن تتوقف على وقع التصعيد العسكري.
ولا توجد حتى الآن خطة خروج معلنة، كما يلف “ضباب” كبير مدة الحرب، في وقت يتحدث فيه بعض الوزراء الإسرائيليين عن عام كامل لتحقيق هدف تغيير النظام، وهو ما يجعل الاستراتيجية تبدو أقرب إلى رد فعل منها إلى خطة طويلة الأمد، الأمر الذي يثير قلقًا عالميًا متزايدًا.
في المقابل، دخل لاعبون جدد على خط الأزمة بعد التحول الواضح في مواقف الصين وروسيا.
فالصين أدانت الهجوم بشدة، وطالبت بوقف فوري لإطلاق النار، محذرة من اتساع رقعة الحرب، كما تستعد لعقد قمة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قريبًا، في محاولة لإظهار نفسها كقوة داعمة للسلام.
أما روسيا، فقد أرسل الرئيس فلاديمير بوتين برقية تهنئة شخصية إلى المرشد الجديد فور الإعلان عنه، ونشرها الكرملين يوم الإثنين 10 مارس.
وهذا الدعم لا يبدو مجرد موقف دبلوماسي؛ بل يحمل دلالات أعمق، من بينها التأكيد على استمرار التحالف الاستراتيجي مع إيران عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا رغم الحرب، ورفض أي محاولة أمريكية-إسرائيلية لتغيير النظام، إضافة إلى رسالة واضحة للعالم بأن موسكو لن تتخلى عن طهران حتى مع تصاعد الضربات.
كما وقفت الصين وروسيا إلى جانب إيران دبلوماسيًا في مجلس الأمن، وسط حديث غير معلن عن دعم استخباراتي ولوجستي.
أما دول الخليج، فعلى الرغم من أن الاعتداءات الإيرانية طالتها بشكل مباشر، فإنها تسامت على جراحها ورفضت التورط في حرب قد تمتد لعقود.
فالخليج يرى أن هذه الحرب ليست حربه، إذ بدأت دون استشارة أو مشاركة في التخطيط، كما سبق استبعاد دوله من جولات التفاوض الأمريكية-الإيرانية السابقة (2025-2026) التي جرت بصورة ثنائية أو عبر وسطاء مثل عُمان، الأمر الذي يطرح تساؤلًا منطقيًا: لماذا يدفع الخليج ثمن حرب لم يكن طرفًا في صنعها؟
حتى التهديد الأمريكي، الذي جاء على لسان السيناتور ليندسي غراهام، حين تحدث عن “عواقب” في حال عدم الانضمام إلى المواجهة، لم يزد دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، إلا إصرارًا على النأي بنفسها عن التورط العسكري، مع التشديد على العودة إلى المسار الدبلوماسي.
وحتى الآن يبدو أن سياسة “حصد العشب” قد فشلت، إذ لم تخرج الجماهير الإيرانية إلى الشوارع كما كان متوقعًا، بل ربما يحدث العكس.
كما فشلت كل محاولات جر العرب إلى الحرب، ليجد الأمريكيون أنفسهم متورطين فيها بصورة شبه منفردة.
ويبقى السؤال: هل نشهد تحولًا دراماتيكيًا في شخصية ترامب، الذي يقدم نفسه دائمًا بوصفه المنتصر؟ وهل يمكن أن يتحول “المخلّص” إلى عبء على إسرائيل؟
قد يحدث ذلك في وقت قريب، خاصة إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع لتصل إلى مستويات قد تبلغ 300 دولار للبرميل، فغالبًا ما يقود الاقتصاد السياسة وليس العكس.
أما الحديث عن سقف 200 دولار للبرميل، فيبدو محاولة سياسية لتخفيف الصدمة أكثر من كونه تقديرًا اقتصاديًا واقعيًا.
الوقت لا يعمل لصالح أحد، والخسائر مرشحة لأن تطال الجميع، بينما تبدو إسرائيل حتى الآن المستفيد الأكبر من استمرار الصراع.
ورغم أن هذه الحرب بدت وكأنها غابت عنها الحكمة، فإن الرهان لا يزال قائمًا على دور الحكماء في الخليج، وعلى التحالفات التي أقامتها السعودية مع باكستان وتركيا لملء الفراغ المحتمل إذا ما بدأت الولايات المتحدة تقليص وجودها في المنطقة.
فقد أصبح واضحًا للأمريكيين قبل غيرهم أن القواعد العسكرية المكلفة في المنطقة تخدم في المقام الأول حماية المصالح الإسرائيلية.
وفي ظل تبخر وهم النصر السريع يومًا بعد يوم، بدأ الترويج لحديث عن خلايا نائمة لإيران داخل الولايات المتحدة، ما يطرح تساؤلات خطيرة: هل نحن أمام مرحلة تمهيد لضربات نووية تكتيكية ضد إيران؟
لذلك نشهد في الآونة الأخيرة نشاطًا مكثفًا للدبلوماسية السعودية في محاولة لإنقاذ المنطقة والعالم قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة، رغم محاولات اليمين المتشدد استدعاء الدين لإضفاء طابع قدري على الحرب وكأنها أمر لا مفر منه.
زر الذهاب إلى الأعلى