
عادت مهمة أرتميس 2 إلى الأرض بنجاح بعد نحو عشرة أيام في الفضاء، في أول رحلة مأهولة إلى جوار القمر منذ حقبة أبولو. وقد هبطت مركبة أوريون، التي أطلقت عليها ناسا اسم Integrity، في المحيط الهادئ قبالة ساحل سان دييغو عند 8:07 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم 10 أبريل 2026، بعد أن قطعت ما يقارب 694 ألف ميل خلال المهمة. مثلت هذه العودة خاتمة اختبار بالغ الأهمية لبرنامج أرتميس، الذي تريد ناسا من خلاله إعادة البشر إلى القمر تمهيدًا لوجود أطول أمدًا هناك.
بدأت المهمة من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا عند 6:35 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم 1 أبريل 2026، حين أقلع صاروخ SLS حاملًا أربعة رواد: ريد وايزمان، فيكتور جلوفر، كريستينا كوك، وجيريمي هانسن من وكالة الفضاء الكندية. ومنذ هذه اللحظة، لم تكن الرحلة مجرد انتقال إلى الفضاء، بل اختبارًا حيًا لأول رحلة مأهولة على متن منظومة SLS/Orion، للتأكد من كفاءة أنظمة الحياة والملاحة والاتصال والعمل البشري في بيئة الفضاء العميق.
منذ الساعات الأولى، دخلت أوريون مرحلة الانتقال من الإطلاق إلى العمليات المدارية؛ فنشرت ألواحها الشمسية وبدأت الفرق الأرضية والطاقم فحص الأنظمة الأساسية. وبعد ذلك، وُضعت المركبة في مدار إهليلجي حول الأرض، ثم في مدار أرضي عالٍ استعدادًا للاندفاع نحو القمر. هذه المرحلة كانت حاسمة، لأن المهمة في جوهرها رحلة اختبار قبل أن تكون رحلة استعراض، وهو ما شددت عليه ناسا مرارًا منذ لحظة الإطلاق.
وخلال الأيام الأولى من الرحلة، انشغل الطاقم بسلسلة مهام تشغيلية دقيقة: مراجعة الإجراءات، اختبار نظم الطوارئ، والتدرب على الأنشطة العلمية الخاصة بمرحلة التحليق القمري. ووفق أجندة ناسا اليومية، خُصصت الأيام الأولى لتصحيح المسار تدريجيًا، ومراجعة أهداف التصوير والرصد، ثم اختبار بذلات النجاة الفضائية Orion Crew Survival System التي توفر حماية للطاقم أثناء الإطلاق والعودة، ويمكن أن تمنح رائد الفضاء جوًا قابلاً للتنفس لعدة أيام في حال حدوث فقدان ضغط داخل المركبة.
في اليوم الخامس دخلت أوريون ما يُعرف بـ مجال تأثير القمر، أي النقطة التي تصبح فيها جاذبية القمر أقوى على المركبة من جاذبية الأرض. هنا انتقلت المهمة من طور “الذهاب” إلى طور “الاقتراب الحاسم”، وباتت كل ساعة تقود إلى لحظة التحليق التاريخية حول الجانب البعيد للقمر. كما نفذ الفريق آخر مناورات تصحيح المسار قبل الاقتراب الأكبر.
أما اليوم السادس فكان قلب الرحلة وروحها. في هذا اليوم اقتربت أوريون إلى نحو 4,067 أميال فوق سطح القمر، ثم سجل الطاقم أبعد مسافة بشرية عن الأرض في التاريخ عند 252,756 ميلًا، متجاوزًا الرقم الذي حققته مهمة أبولو 13 عام 1970. وخلال هذا التحليق، شاهد الرواد القمر من مسافة تجعل حجمه، بحسب وصف ناسا التقديري، أشبه بكرة سلة ممسوكة بطول الذراع، وخصصوا وقتًا طويلًا للتصوير وتسجيل الملاحظات العلمية والبصرية.
ومن أكثر لحظات الرحلة شاعرية وندرة، مرور المركبة خلف القمر، ما تسبب في انقطاع اتصال مخطط له مع الأرض استمر قرابة 40 دقيقة بسبب حجب سطح القمر للإشارة اللاسلكية. في تلك اللحظة رأى الطاقم مشاهد استثنائية، منها Earthset حين اختفت الأرض خلف الأفق القمري، ثم Earthrise عند عودة المركبة إلى مجال الرؤية واستعادة الاتصال. كما دخلت المهمة في كسوف شمسي استمر نحو ساعة، ما أتاح للطاقم مراقبة الهالة الشمسية والبحث عن ومضات قد تنجم عن اصطدام نيازك بسطح القمر.
هذه المشاهد لم تكن مجرد لقطات بصرية مؤثرة؛ بل كانت جزءًا من برنامج رصد علمي يهدف إلى جمع بيانات وصور وملاحظات مباشرة تفيد المهمات اللاحقة. فـأرتميس 2 لم تهدف إلى الهبوط على سطح القمر، بل إلى التحقق من أداء المركبة والأنظمة البشرية داخل الفضاء العميق، وهو ما يجعلها الحلقة الاختبارية الأهم قبل المهمات التي ستسعى إلى إنزال رواد على السطح.
بعد مغادرة جوار القمر في اليوم السابع، بدأت رحلة العودة الفعلية. خرجت المركبة من مجال تأثير القمر، ثم نفذت مناورة تصحيح العودة الأولى في 7 أبريل، أعقبتها اختبارات إضافية في طريق الرجوع، بينما واصل الطاقم تقييم الأداء التشغيلي للمركبة في ظروف الرحلة الطويلة. وفي اليومين الثامن والتاسع استمرت المراجعات الفنية والاستعدادات النفسية والعملية للعودة، بما في ذلك تجهيز المقصورة وإغلاق كثير من الملفات التشغيلية قبل الدخول في مرحلة الهبوط.
وجاءت الساعات الأخيرة من المهمة محمّلة بأكبر قدر من الحساسية الفنية. عند 2:53 مساءً يوم 10 أبريل، نفذت أوريون الاحتراق النهائي الذي دفعها بدقة نحو الأرض. ثم، قبل الهبوط بقليل، انفصلت وحدة الطاقم عن وحدة الخدمة عند 7:33 مساءً، لتكشف الدرع الحراري الذي سيتحمل حرارة العودة. وبعدها، عند 7:53 مساءً، دخلت المركبة الغلاف الجوي على ارتفاع 400 ألف قدم تقريبًا وهي تسير بسرعة تقارب 35 ضعف سرعة الصوت، فيما توقعت ناسا أن يشعر الطاقم بقوة تصل إلى 3.9 جي، مع انقطاع اتصالات لنحو ست دقائق بسبب تشكل البلازما حول الكبسولة. ثم فُتحت المظلات التمهيدية عند نحو 22 ألف قدم، تلتها المظلات الرئيسية عند نحو 6 آلاف قدم، إلى أن تباطأت المركبة إلى نحو 20 ميلًا في الساعة قبل الارتطام بالماء.
هذه المرحلة الأخيرة تفسر الاهتمام الكبير الذي حظيت به لحظة العودة؛ فنجاح أي مهمة قمرية لا يُقاس فقط بالوصول، بل بالقدرة على اجتياز العودة عبر الغلاف الجوي بأمان. لذلك كان الدرع الحراري واختبار أدائه تحت الحرارة الشديدة من أبرز الأهداف غير المباشرة للمهمة. وذكرت ناسا أن الكبسولة واجهت أثناء العودة حرارة تقارب 3000 درجة فهرنهايت.
وبعد الهبوط، اقتربت فرق الإنقاذ المشتركة من ناسا والجيش الأمريكي من الكبسولة، ثم أُخرج الطاقم ونُقل بالمروحيات إلى السفينة USS John P. Murtha لإجراء الفحوص الطبية الأولية قبل العودة إلى مركز جونسون في هيوستن. وبهذا أغلقت أرتميس 2 رحلتها بنهاية ناجحة من الناحيتين الإنسانية والتقنية.
ومن الجوانب اللافتة أيضًا أن المهمة حملت دلالات رمزية كبيرة: كريستينا كوك أصبحت أول امرأة تشارك في مهمة من هذا النوع إلى جوار القمر، وفيكتور جلوفر أول رائد أسود ضمن مهمة قمرية، وجيريمي هانسن أول غير أمريكي يسافر إلى هذا المدى القمري ضمن هذا السياق. ولهذا رأت مؤسسات إعلامية عدة أن أرتميس 2 لم تكن فقط عودة أمريكية إلى جوار القمر، بل عودة أكثر تنوعًا وتمثيلًا من حقبة أبولو.
أما بشأن الإشارة التي وردت في نصك إلى جاريد إيزاكمان، فهي صحيحة من حيث صفته الحالية؛ إذ تُظهر صفحة قيادة ناسا الرسمية أن Jared “Rook” Isaacman هو الإداري الخامس عشر لوكالة ناسا، كما نسب إليه بيان إطلاق أرتميس 2 تصريحات رسمية بوصفه مدير الوكالة. وبناء على ذلك، فإن حضوره إلى موقع استقبال الهبوط يحمل دلالة رمزية وإدارية واضحة، مفادها أن قيادة الوكالة أرادت أن تكون موجودة ميدانيًا في لحظة اكتمال المهمة، خصوصًا في أخطر مراحلها: العودة والدخول الحراري والهبوط. وهذا توصيف تحليلي يستند إلى حضوره الرسمي ودوره القيادي، لا إلى بيان صريح منه حول الدافع الشخصي.
في المحصلة، يمكن القول إن أرتميس 2 لم تكن مجرد “رحلة عشرة أيام حول القمر”، بل بروفة كبرى لعودة البشر إلى الفضاء السحيق. لقد جمعت بين اختبار الأنظمة، وإثبات قدرة الطاقم، واستعادة المخيلة البشرية تجاه القمر، وبين بناء الثقة السياسية والعلمية لخطوات لاحقة قد تقود إلى هبوط جديد على سطحه. فالمهمة انتهت ميدانيًا عند مياه المحيط الهادئ، لكنها استراتيجيًا بدأت هناك: عند اللحظة التي أثبتت فيها ناسا أن العودة إلى جوار القمر لم تعد حلمًا تاريخيًا، بل برنامجًا مستمرًا يمضي خطوة بعد أخرى.
أقدر أيضًا صياغة هذا التقرير لك في نسخة صحفية جاهزة للنشر في صحيفة مكة بعنوان ومقدمة وخاتمة بصياغة تحريرية كاملة.






