المقالات

الإعلام والذكاء الاصطناعي… من التوصيات إلى صناعة المستقبل

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في الإعلام ترفًا فكريًا أو استشرافًا نظريًا، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه بقوة على ممارسات المهنة، ويعيد صياغة أدواتها، ويعيد تعريف أدوار العاملين فيها. وفي هذا السياق، جاءت توصيات مؤتمر إعلام الذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات الذي نظمته الجمعية السعودية للإعلام والاتصال واختتم فعالباته يوم الأربعاء 8 إبربل 2026 لتؤكد أن التحول لم يعد خيارًا، بل مسارًا حتميًا يتطلب استعدادًا استراتيجيًا على كافة المستويات.
لقد عكست التوصية المتعلقة بتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير المؤسسات الإعلامية، إدراكًا عميقًا بأن المستقبل الإعلامي لن يُبنى بالوسائل التقليدية، بل عبر أنظمة ذكية قادرة على تحليل البيانات، وفهم الجمهور، وإنتاج محتوى متجدد ومتخصص. غير أن التحدي الحقيقي هنا لا يكمن في توفر التقنية بقدر ما يكمن في جاهزية المؤسسات نفسها لتبني هذا التحول ثقافيًا وإداريًا، فالتقنية وحدها لا تصنع التغيير ما لم تُصاحبها إرادة مؤسسية واعية.
أما التوصية المتعلقة بدعم الاستثمار والابتكار، فهي تمثل نقلة نوعية في النظر إلى الإعلام بوصفه صناعة اقتصادية واعدة، لا مجرد مهنة تقليدية. فالإعلام اليوم بات جزءًا من الاقتصاد الرقمي، وأصبح الاستثمار فيه يشمل المنصات الذكية، وتقنيات إنتاج المحتوى، وحلول الذكاء الاصطناعي التي تعزز الكفاءة وتفتح آفاقًا جديدة للإيرادات. ومن هنا، فإن الابتكار لم يعد خيارًا تجميليًا، بل شرطًا أساسيًا للاستمرار والمنافسة.
وفي جانب التأهيل الأكاديمي والمهني، تكشف التوصيات عن وعي واضح بوجود فجوة حقيقية بين مخرجات التعليم الإعلامي ومتطلبات سوق العمل في عصر الذكاء الاصطناعي. فالإعلامي اليوم لم يعد مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح مطالبًا بفهم التقنيات، وتحليل البيانات، والتعامل مع الخوارزميات بوعي ومسؤولية. وهذا يفرض على المؤسسات التعليمية إعادة صياغة مناهجها بما يتواكب مع هذه التحولات، ويؤسس لجيل جديد من الإعلاميين القادرين على التفاعل مع بيئة إعلامية ذكية ومعقدة.
وفي المقابل، جاءت التوصية الخاصة بوضع أطر تنظيمية وأخلاقية لتؤكد أن التقدم التقني لا يمكن أن يسير بمعزل عن الضوابط المهنية والقيم الإنسانية. فمع تصاعد تحديات مثل الأخبار المضللة والتزييف العميق، تصبح الحاجة ملحّة لبناء منظومة أخلاقية وتشريعية تحمي مصداقية الإعلام وتحافظ على ثقة الجمهور، وهي الثروة الحقيقية لأي مؤسسة إعلامية.
أما التوصية الأخيرة المتعلقة بتعزيز الشراكات ودعم البحث العلمي، فهي تعكس فهمًا متقدمًا لطبيعة المرحلة، حيث لم يعد الإعلام يعمل في عزلة، بل ضمن منظومة متكاملة تضم الجامعات، ومراكز الأبحاث، وشركات التقنية. فالتكامل بين هذه الأطراف هو الطريق نحو إنتاج معرفة محلية قادرة على مواكبة التطورات العالمية، بل والمساهمة فيها.
وإذا ما نظرنا إلى هذه التوصيات في مجملها، نجد أنها لا تمثل مجرد توصيات تقليدية، بل تشكل خارطة طريق واضحة لتحول شامل يقوم على خمسة مرتكزات أساسية: التقنية، والاقتصاد، والإنسان، والأخلاق، والشراكة. وهي مرتكزات تؤكد أن مستقبل الإعلام لن يُبنى بالصدفة، بل عبر رؤية استراتيجية متكاملة تجمع بين الابتكار والمسؤولية.
وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لهذه التوصيات لا تكمن في صياغتها، بل في قدرتنا على تحويلها إلى برامج تنفيذية، ومبادرات قابلة للقياس، ومشروعات واقعية تُحدث أثرًا ملموسًا في بيئة الإعلام. فالإعلام اليوم يقف أمام مفترق طرق حاسم: إما أن يقود التحول في عصر الذكاء الاصطناعي، أو أن يجد نفسه متأخرًا عن ركب لا ينتظر أحدًا.
إن المرحلة القادمة ليست مرحلة أدوات جديدة فحسب، بل مرحلة إعادة تعريف للإعلام ذاته… دوره، ووظيفته، وتأثيره في المجتمع. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس على التقنية، بل على الإنسان القادر على توظيفها بوعي، وصناعة إعلام ذكي… مسؤول… ومؤثر.

• أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى