المقالات

في زمن الآلة ,لابد من العودة للقلم

رغم ولع الجميع بكل ما قُدِّم إلينا في عصر “الذكاء الصناعي”، إلا أني أشعر “بغصّة” في التعامل مع هذه الآلة التي تفوقت على الإنسان في سرعة القراءة والتحليل والتلخيص وغيرها من المهام التي أصبحت الآن بلا حصر.
ومن كبر غصّتي , حاولت أواكب الموجة، فإنضممت لدورة فريدة من نوعها تعلّم كل ما يمكن تعلمه من أدوات الذكاء الصناعي والفرق بين كل أداة ومتى نستخدمها. والحقيقة أن هذه الدورات لا تكتفي بإبهارنا بهذا القدر الهائل من اختصار الوقت والجهد، فبحث طويل يتحول إلى ملخص في دقائق وبكفاءة عالية.
ولكن وبكل صدق لا أجد ذات المتعة التي كنت أشعر بها حين كنت أستنبط المعلومة بكامل جوارحي. قد يكون رأيا مدفوعا بالعاطفة و لكن , دعوني أوضح لكم أبعاد ذلك .
نحن نأخذ الزبدة الآن من عشرات الأوراق العلمية في دقائق، مقابل تلك الأيام التي كنا نقضيها في القراءة والتظليل والربط لنصل إلى ما يسمى بgap of knowledge داخل عقولنا.
السؤال هنا، وهو ليس وجدانيًا ولا جدليًا، كيف ستتمكن الأجيال الحالية والقادمة من التفكير النقدي ؟ و التحليلي ؟ أقصد بذلك التعبير الكتابي النابع من العقل وحده، والذي يخلق تفردًا بين شخص وآخر. وهذا ما لا تقوم به الآلة، فالمثالية التي تعطينا إياها تجعلنا جميعًا في نفس المستوى، بينما لكل منا بصمته الخاصة جدًا التي لن تظهر إلا حين نتجرّد من هذه الأدوات المساعدة.
كيف يمكن لطالب اليوم في المرحلة الثانوية أو الجامعية أن يصيغ أفكارًا كتابية تحليلية لا شأن لها بالمصادر؟ أفكار تتكوّن بعد قراءة طويلة، فتأتي حصيلة هذه القراءة بلا حفظ ولا تسمي. وبغض النظر عن الجانب الأخلاقي من استخدام الذكاء الصناعي، وبغض النظر عن التعاون مع الآلة لخلق المزيد من الوقت، تحضرني الصورة المعتادة ليد الروبوت التي تمتد ليد الإنسان.
مهما مارسنا من أخلاقيات في هذا الموضوع يبقى موضوع articulating ideas والقدرة على صياغتها كتابيا مفقود تمامًا من المعادلة. نحن أمام جيل ممتاز جدًا في تعديل النص، بينما الكتابة هي أداة تفكير وليست مجرد محاولة لخلق نص مبني على مصادر معينة . جيل قد يجد صعوبة في الكتابة من العدم.
سنفقد هذه المهارة نحن والأجيال القادمة ما لم نُوظّف الكتابة الورقية اللحظية التعبيرية في شيء من مناهجنا، طالما أن المنهج يتحمل هذا النوع من التقييم. وأعتقد أن كل منهج ما لم يكن إحصاء أو رسم يمكن أن نُدخل فيه مساحة للطلاب ليعبّروا فيها عن رأيهم، ليقفوا بجانب طرف في حالة debate معينة، مع تحديد الأسباب من وجهة نظرهم لإختيار إتجاه دون الآخر. منها نُجبر العقول على التشغيل اللحظي “للقلم مع العقل”، والذي سيعمل إثر غياب المصادر، و تحت تأثير “الورطة.”
والجميل أنني قرأت أنها من الممارسات التي تساعد على المحافظة على صحة الإدراك والحد من تدهور الذاكرة لكبار السن. عوضا عن أنها مهارة تحافظ على صحه العقل , هي تبني شخصية حاضرة، كارزمية، قادرة على الإدلاء برأيها في المواضيع التي تشدّها. ومنها ينشأ قائد مستقبلي رأيه حاضر وسديد ولا يعتمد إنجازه على توفر الأداة من عدمها . أتمنى أن تكون لي يد في أن يُوظَّف هذا النوع من الكتابة وبهذه الطريقة وبشكل عاجل في مناهجنا الدراسية قبل أن نفقد شيئًا أساسيًا من كون كلا منا , انسانا متفردا متميزا. فالعبرة ليست باللهاث وراء الإنجاز السريع، وإنما بإستنباط الحكمة عوضًا عن التشتت من كثرة المصادر والمعلومات اللانهائية في زمن المعلومة السريعة.
بقلم: د. هديل بنت سعدون السعدون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى