حين يُذكر التعليم الجامعي في المملكة العربية السعودية تتجه الأنظار إلى مؤسسات علميةأسهمت في بناء الإنسان وصناعة التنمية غير أن بعض الجامعات تتميز بأنها لا تحمل فقط رسالة التعليم
بل تحمل معها إرثًا تاريخيًا ومكانةً خاصة ارتبطت بالمكان والزمان ومن بين هذه الجامعات تبرز“جامعة أم القرى التي انطلقت جذورها من مكة المكرمة، مهبط الوحي وقبلة المسلمين لتصبح اليوم واحدة من أبرز الجامعات السعودية والعربية حضورًا وتأثيرًا ..
ففي عام 1369هـ أمر الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ طيب الله ثراه ـبإنشاء كلية الشريعة بمكة المكرمة، لتكون أول مؤسسة للتعليم الجامعي في المملكة قبل أن تتوج هذه المسيرة بصدور المرسوم الملكي الكريم عام 1401هـبإنشاء جامعة أم القرى التي أصبحت اليوم من أكبر الجامعات السعودية وأكثرها تنوعًا في التخصصات والبرامجالأكاديمية وخلال السنوات الماضية، شهدت الجامعة مرحلة تطوير شاملة أكاديميًا وإداريًا تمثلت في تحديث الخطط الدراسية لبرامج البكالوريوس والدراسات العليا، وتطوير ما يزيد علىأربعة آلاف مقرر دراسي واستحداث عشرات البرامج النوعية الجديدة التي تلبي احتياجات سوقالعمل ومتطلبات التنمية الوطنية في انسجام واضح مع مستهدفات
رؤية المملكة 2030.
ولم يكن التطوير مجرد عنوان بل جاء وفق رؤية استراتيجية واضحة، حيث عملت الجامعة علىتحديث استراتيجيتها وبرامجها ومبادراتها ومؤشرات أدائها بما يتوافق مع التوجهات الوطنيةالحديثة
وحققت نسبة إنجاز بلغت 83% من خطتها الاستراتيجية عبر تنفيذ 79 مبادرة استراتيجيةأسهمت في تعزيز الأداء المؤسسي ورفع كفاءة العمل وتحقيق مستهدفات الجامعة.
وعلى الصعيد الأكاديمي واصلت الجامعة تعزيز مكانتها في التصنيفات العالمية حيث حققت تخصصاتها في الطب والصيدلة والهندسة والعلوم مراكز متقدمة ضمن أفضل500 تخصص عالمي في تصنيفات دولية مرموقة، كما سجلت حضورًا لافتًا في تصنيفاتالتخصصات البينية المرتبطة بجودة التعليم وتأثير الجامعات في خدمة المجتمع.
أما البحث العلمي فقد واصل مسيرته التصاعدية داخل الجامعة من خلال دعم برامج تجويدالبحث العلمي وتطوير الدراسات العليا والابتعاث وتعزيز دور المراكز والكراسي البحثيةوالمجلات العلمية وهو ما انعكس على نشر أكثر من 5200 بحث علمي في قواعد البيانات العالمية خلال عام2025م، إضافة إلى تسجيل 20 براءة اختراع وإطلاق القمر الصناعي “أفق” بالتعاون مع وكالةالفضاء السعودية، في خطوة تؤكد قدرة الجامعات السعودية على مواكبة التحولات العلميةوالتقنية العالمية ولأن جامعة أم القرى تنتمي إلى مكة المكرمة وتحمل مسؤولية علمية ووطنية خاصة. فقد ظل دورها متجاوزًا حدود التعليم التقليدي من خلال إسهاماتها في خدمة المجتمعوالعمل التطوعي والمسؤولية المجتمعية إلى جانب الدور الريادي لمعهد خادم الحرمينالشريفين لأبحاث الحج والعمرة، الذي يقدم الدراسات والاستشارات العلمية المرتبطة بخدمةضيوف الرحمن، ويسهم في تطوير منظومة الحج والعمرة بما يواكب تطلعات القيادة الرشيدةوجهودها المباركة في خدمة الإسلام والمسلمين. كما نجحت الجامعة في تعزيز استدامتهاالمالية من خلال تنمية أوقافها وتطوير أصولها الاستثمارية عبر شركة وادي مكة للتقنية الذراعالاستثماري للجامعة حتى بلغت القيمة الإجمالية للمحفظة الوقفية نحو 77 مليون ريال بما يدعم خططها المستقبلية ويعزز قدرتها على مواصلة التطوير والنمو.
وامتد حضور الجامعة إلى الساحة الدولية من خلال شراكات أكاديمية وبرامج تبادل طلابيوتدريب دولي، إلى جانب تفعيل المجلس الاستشاري الدولي الذي يضم نخبة من الخبراءوالعلماء من عدة دول، الأمر الذي أسهم في تعزيز مكانة الجامعة كوجهة تعليمية مفضلةللطلاب الدوليين القادمين من 88 دولة حول العالم ولعل من المؤشرات المهمة على نجاح هذه المسيرة حصول الجامعة على العديد من الجوائزوالتكريمات المحلية والدولية ومنها جائزة تجربة العميل لعامين متتاليين
وجائزة الابتكار في التعليم والتدريب، وتحقيقها المركز الخامس بين الجامعات السعودية فيتمكين ريادة الأعمال
إضافة إلى فوزها بالجائزة الوطنية للعمل التطوعي أربع مرات متتالية، وهي إنجازات تعكسجودة الأداء وتنوع مجالات التميز
وما كان لهذه المنجزات أن تتحقق بعد توفيق الله إلا بفضل الدعم الكبير الذي يحظى به قطاعالتعليم في المملكة، وجهود إدارة الجامعة بقيادة وإدارة معالي رئيسها الفاضل، د معدي بن محمد آل مذهب، وما يبذله الوكلاء والعمداء وأعضاء هيئةالتدريس والباحثون والباحثات والموظفون والموظفات من عمل دؤوب وروح فريق واحدة جعلت من جامعة أم القرى نموذجًا وطنيًا مشرفًا يجمع بين الأصالة والتطوير، وبين شرفالمكان وطموح الإنجاز
ختامًا
فإن جامعة أم القرى ليست مجرد مؤسسة أكاديمية تمنح الشهادات العلمية، بل صرح معرفييحمل رسالة وطنية وإنسانية سامية، ويجسد قصة نجاح ممتدة من تاريخ عريق إلى مستقبلواعد وكلما قرأنا عن منجز جديد لهذا الصرح الشامخ
ازددنا يقينًا بأن الجامعات السعودية أصبحت شريكًا رئيسًا في صناعة المستقبل وتحقيقمستهدفات الوطن، وأن جامعة أم القرى ستظل ـ بإذن الله ـ جامعةً تحمل شرف المكان ورسالةالإنسان وتواصل أداء رسالتها العلمية والوطنية بكل اقتدار وتميز .
