المقالات

قبل أن نصبح روبوتات بشرية؟

يثير التوجه المتزايد نحو تهميش أو إلغاء برامج العلوم الإنسانية والاجتماعية والأدبية في الجامعات العربية ناقوس خطر حقيقي. فهذا التوجه لا تسنده بحوث علمية معتبرة تؤكد صوابيته، ولا يُشفَع بنقاشات أكاديمية جادة، بل كان قراراً إدارياً بحتاً. وهو لا يقتصر على إعادة هيكلة التعليم العالي فحسب، بل يهدد جوهر خصوصيتنا كأفراد ومجتمعات، ويُحدث ثغرات عميقة في ذاكرتنا الجماعية.
يعلمنا التاريخ درساً قاسياً: الحضارات التي أهملت الروح الإنسانية انهارت من الداخل قبل أن تسقط أمام أعدائها. وفي عالمنا العربي اليوم، نواجه تحديات أعمق من مجرد البطالة. ففي زمن يتسارع فيه التقدم العلمي والتكنولوجي، وتُفرَض فيه الثقافات العابرة للحدود، نحن في أمسّ الحاجة إلى تعزيز الانتماء والهوية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار الضرورة الاستراتيجية لإعادة هيكلة البرامج الأكاديمية لتتواءم مع احتياجات سوق العمل في عصر الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي. هذا ليس خياراً، بل حتمية لا تقبل التأجيل.

مخاطر التقدم بلا روح؟
قد نحقق تقدماً تقنياً وثراءً مادياً في غياب العلوم الإنسانية، لكننا سنصبح أكثر قسوة ووحشية. القوة بدون مرجعية أخلاقية تنفلت من عقالها، وتتحول إلى وبال على أصحابها.
تجاهل الإنسانيات يجعل الحياة بلا روح وتافهة، ويتفاقم الشعور بالوحدة والاغتراب النفسي. العلوم الإنسانية لا تبني ناطحات السحاب، بل تبني المعاني التي تجعل الحياة تستحق أن تُعاش. إنها تشيد جسوراً بين الأجيال والحضارات، وترسخ المبادئ التي تحول الإنسان من كائن بيولوجي إلى عقل واعٍ له مهمة وهدف.
في غيابها، تتعطل قدرتنا على مواجهة الأسئلة الوجودية الكبرى: لماذا نعيش؟ ما معنى الحياة؟ وما القيم التي تستحق التضحية من أجلها؟ نعيش في عالم مسطح،
لسنا بصدد الدفاع العاطفي عن الوضع الراهن الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. لكن جذور المشكلة متعددة، أبرزها تقليدية المناهج التي لم تتطور لتواكب الواقع والتحديات المعاصرة، وفقدت قدرتها على غرس التفكير النقدي والابتكار. لكن هذا الاستقطاب الثنائي الخاطئ (إما الإلغاء أو الحفاظ على الوضع كما هو) يُفاقم الأزمة.
نعم، بعض البرامج تحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية، لا إلى الإلغاء أو التقليص المجحف. الجامعة بدون روح إنسانية تصبح مجرد مصنع للمهارات، والتقدم التكنولوجي بدون وعي إنساني يولّد مشكلات أكبر مما يحل. نحن بحاجة إلى التوازن نفسه الذي مكَّن الحضارة الإسلامية من قيادة العالم لعشرة قرون.

أين جوهر المشكلة؟
يُبرَّر الإلغاء بالضغوط الاقتصادية وسوق العمل الذي يقلل الإقبال على التخصصات الإنسانية. لكن جوهر المشكلة أعمق: إنه ضعف مخرجات العملية التعليمية حتى في التخصصات التطبيقية والتقنية، فضلاً عن تواضع البحث العلمي في العالم العربي. تشير الإحصاءات إلى أن إنفاق معظم الدول العربية على البحث والتطوير يتراوح بين 0.2% و0.7% من الناتج المحلي الإجمالي (مع استثناءات محدودة)، مقارنة بـ2-4% في الدول المتقدمة (حيث يصل في كوريا الجنوبية وإسرائيل إلى أكثر من 5%). كما أن براءات الاختراع في العالم العربي منخفضة جداً لكل مليون نسمة، والفجوة هائلة (تصل إلى 10-100 ضعف مقارنة بدول مثل كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة).

الاستثمار في الوعي قبل فوات الأوان؟
التحدي الأكبر هو التطوير لا الإلغاء، والدمج الذكي بين مهارات سوق العمل والوعي الإنساني ضمن رؤية شاملة، لا التقليص. التخصصات الإنسانية تبدو «غير مربحة»، بينما تثبت البحوث العالمية أن خريجيها يتفوقون في المهارات الناعمة المطلوبة اليوم — مثل التفكير النقدي، والتواصل، والتعاطف، والقدرة على التعامل مع الغموض — وهي أكثر أهمية من أي وقت مضى في عصر الذكاء الاصطناعي.

رؤية 2030 والعلوم الإنسانية؟
تؤكد رؤية المملكة العربية السعودية 2030 على أهمية الإنسانيات، وتستهدف «إحياء» الإنسانيات بربطها بالمجالات العملية ودمجها ضمن استراتيجيات تنمية القدرات البشرية وبناء المجتمع. وذلك من خلال تطوير التخصصات الإنسانية بما يواكب متطلبات سوق العمل، مع الحفاظ على الجذور الثقافية والحضارية للمملكة.
وتعتبر الرؤية التاريخ والتراث والثقافة واللغة العربية والقيم الإسلامية والوطنية مكونات أساسية لهوية المجتمع الحيوي. حيث تسعى إلى «المحافظة على تراث المملكة الإسلامي والعربي والوطني والتعريف به»، مما يعكس دور العلوم الإنسانية في بناء مجتمع متماسك ومبدع، وتعزيز الهوية الوطنية والانتماء كركيزة أساسية للتنمية المستدامة.

الإنسانيات بين التاريخ والمستقبل؟
ساهمت الإنسانيات تاريخياً في النهضة والتطور الفكري. واليوم، نجد جامعات بارزة في التصنيفات العالمية طورت تدريس الإنسانيات، مثل:
جامعة أكسفورد (المملكة المتحدة) — الأولى عالمياً في كثير من التصنيفات للآداب والإنسانيات.
جامعة كامبريدج (المملكة المتحدة) — قوية جداً في التاريخ والفلسفة واللغات.
جامعة هارفارد (الولايات المتحدة) — قسم الآداب والإنسانيات واسع ومؤثر.
جامعتا ييل وبرينستون (الولايات المتحدة) — تتميزان ببرامج قوية في التاريخ والأدب.
جامعتا كولومبيا وشيكاغو — معروفة بمناهجها المتكاملة في «الكتب العظيمة» (Great Books) والدراسات الإنسانية.
الخاتمة
إذا أردنا مستقبلاً مزدهراً في القرن الحادي والعشرين، علينا أن نعيد للجامعة دورها الحضاري في بناء شخصية متوازنة. ليس بالمهارات وحدها تنهض الشعوب.
نعم، الوقت ليس وقت التقشف على حساب الوعي والهوية والانتماء، بل وقت الاستثمار الجريء في خصوصيتنا الحضارية التي تعزز قدراتنا التنافسية.
!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى