المقالات

ذنب الأفعى: لماذا ستعود إيران أكثر شراسة إذا تُركت حيّة؟

“لا تقطعنّ ذنب الأفعى وتطلقها،
إن كنت حازماً فاتبع رأسها الذنب.”

في هذا البيت من الحكمة العربية خلاصة درساً سياسياً و استراتيجيا لم تستوعبه واشنطن جيداً رغم عقود طويلة من الصدام مع طهران. فالأفعى الجريحة لا تصبح أضعف، بل أكثر خطراً. والخصم الذي يُنهك دون أن يُحسم أمره، يعود غالباً أكثر دهاءً ورغبة في الانتقام. واليوم تقف الولايات المتحدة أمام هذا الاختبار مرة أخرى، لكن هذه المرة مع إيران، وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية قد تحدد شكل الشرق الأوسط لسنوات طويلة.

منذ أن دفع الرئيس دونالد ترامب بأكبر حشد عسكري أمريكي في المنطقة منذ حرب العراق، وبعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية وقواعد عسكرية إيرانية، بدا وكأن الرسالة واضحة: المشروع الإيراني التوسعي يقترب من نهايته. غير أن ما يجري على الأرض لا يعكس هذا الحسم المعلن. فالهدنة التي أُعلن عنها في السابع من أبريل لم تتحول إلى سلام، بل إلى مساحة زمنية تستخدمها طهران لإعادة ترتيب أوراقها، بينما تتعثر المفاوضات غير المباشرة وتزداد شروط الطرفين تباعداً.

إيران لم تُظهر سلوك الدولة المهزومة، بل سلوك نظام يعرف جيداً كيف يشتري الوقت. فهي ترفض التخلي عن مخزون اليورانيوم المخصب، وتواصل إرسال رسائل التحدي عبر احتجاز السفن في مضيق هرمز، في مواجهة مباشرة مع الحصار البحري الأمريكي. كما أبلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الضمانات النووية أصبحت “غير قابلة للتطبيق” في ظل الظروف الحالية، وهي عبارة دبلوماسية تحمل معنى واضحاً: تقليص الرقابة وفتح المجال أمام مرحلة أكثر غموضاً.

المحللون الغربيون يصفون هذه الاستراتيجية الإيرانية بما يسمى “التحوط النووي”، أي بناء كل ما يلزم لإنتاج سلاح نووي دون إعلان الوصول إليه رسمياً. إنها سياسة الوقوف على حافة العتبة، بحيث تظل إيران قادرة على الردع السياسي والعسكري دون أن تمنح خصومها الذريعة الكاملة لضربة شاملة. وهذا ما يجعل أي هدنة غير محسومة خطراً أكبر من الحرب نفسها، لأنها تمنح النظام الوقت الذي يحتاجه لإعادة البناء تحت غطاء التفاوض.

التاريخ الأمريكي نفسه يقدم شواهد واضحة على خطورة هذا النمط من أنصاف الحلول. في عام 1991، أوقفت إدارة جورج بوش الأب الحرب عند حدود بغداد، وتركت صدام حسين في السلطة، فكانت النتيجة حرباً أكبر بعد اثني عشر عاماً بكلفة أعلى بكثير. وفي أفغانستان، لم يؤدِ الانسحاب الأمريكي إلى إنهاء الأزمة، بل إلى عودة طالبان بصورة أقوى. أما مع إيران، فمنذ 1979، كل جولة ضغط غير مكتملة كانت تنتهي بنسخة أكثر تعقيداً من التهديد ببرنامج نووي أكثر تقدماً، ميليشيات أكثر انتشاراً، وشبكات نفوذ أعمق داخل الإقليم.

صحيح أن الضربات الأخيرة أضعفت بعض قدرات طهران، لكنها لم تكسر النظام. الحرس الثوري ما زال قادراً على المناورة، واحتجاز السفن، وتهديد واحد من أهم الممرات النفطية في العالم. حزب الله، رغم الخسائر الكبيرة في لبنان، لم يُنزع سلاحه بالكامل. والميليشيات المرتبطة بإيران في العراق واليمن لا تزال قائمة، تنتظر فقط لحظة إعادة التفعيل. بل إن الحرب الأخيرة أظهرت قدرة إيران على توسيع ساحة الاشتباك، من خلال استهداف قواعد أمريكية في الخليج، واستخدام الطائرات المسيّرة ضد مواقع بريطانية، وإرسال رسائل صاروخية عابرة للحدود. هذه ليست علامات انهيار، بل مؤشرات على أن الدولة الجريحة تستعد لجولة جديدة.

المشكلة الأساسية أن واشنطن تبدو عالقة بين خيارين لا تريد أياً منهما بالكامل: لا تريد حرباً شاملة بسبب كلفتها الاقتصادية والسياسية، ولا تريد في الوقت نفسه القبول بإيران نووية أو شبه نووية. فتنتج عن ذلك سياسة وسطية مرتبكة: ضغط بلا حسم، وعقوبات بلا نهاية، ومفاوضات بلا اختراق حقيقي. وهذه هي البيئة المثالية لعودة الخصم أكثر شراسة.

هنا لا بد من الاعتراف بأن خيار “قطع الرأس” نفسه ليس بسيطاً. إسقاط النظام الإيراني أو تفكيك كامل مشروعه النووي والصاروخي ليس عملية جراحية نظيفة، بل قد يفتح أبواب حرب إقليمية او عالمية واسعة يصعب التحكم بنتائجها، خصوصاً مع وجود الصين وروسيا كلاعبين لا ينظران إلى هذه المواجهة باعتبارها شأناً إيرانياً فقط، بل فرصة لإرباك النفوذ الأمريكي واستنزافه. لهذا فإن المسألة ليست دعوة للحرب بقدر ما هي دعوة لعدم الوقوع في وهم السلام المؤقت.

التسويات الهشة مع الأنظمة الأيديولوجية لا تُنهي الصراع، بل تؤجله. وكل شهر إضافي من المفاوضات غير الحاسمة يعني فرصة جديدة لإعادة تأهيل المنشآت النووية، وتهريب المواد الحساسة، وإعادة تسليح الأذرع الإقليمية، وبناء تفاهمات جديدة مع القوى الكبرى المنافسة لواشنطن. المشكلة ليست في التفاوض نفسه، بل في التفاوض الذي يمنح الوقت دون أن ينتزع ضمانات قابلة للتحقق.

الحل الحقيقي لا يكمن في الشعارات، بل في وضوح الهدف: إما تفكيك فعلي يمكن التحقق منه للبرنامج النووي والصاروخي وشبكات الوكلاء، أو الاعتراف بأن المواجهة الكبرى لم تُلغَ، بل جرى تأجيلها فقط. أما الاكتفاء بإصابة الخصم وتركه حياً، فهو أخطر السيناريوهات كلها.

الحكمة العربية القديمة كانت أكثر وضوحاً من كثير من الحسابات الحديثة و تُدرك ما تجاهله صنَّاع القرار في واشنطن ، أن أنصاف الحلول مع الأفاعي أخطرُ من عدم الفعل أصلاً. فإذا لم تستطع قطعَ الرأس، فلا تقطع الذيل. أما أن تجرحها وتُطلقها، فتلك دعوةٌ مفتوحةٌ لعودتها في وقتٍ ومكانٍ لا تختارهما أنت. إيرانُ اليوم أفعىً مقطوعةُ الذنب، لا تزال حيةً، تُداوي جراحها في جحرها. والسؤال الذي يجب أن يُطرح في البيت الأبيض ليس: كيف ننهي هذه الحرب؟ بل: هل ننهيها الآن، أم نُؤجِّلها لأبنائنا بثمنٍ ‏أعلى كلفه ؟

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى