في رقمٍ نشرته أخبار السعودية نقلاً عن الاقتصادية مؤخراً، تبيّن أن عدد المواليد في المملكة تراجع من 44 ولادة لكل ألف نسمة عام 1980 إلى 16 ولادة فقط عام 2023، أي أن معدل الإنجاب هبط إلى أقل من ثلث ما كان عليه قبل أربعة عقود. وليست هذه إحصائية عابرة، بل مؤشر حضاري يكشف تحوّلاً بنيوياً في المجتمع السعودي، لو استمرّ بهذا الإيقاع لوجدنا أنفسنا بعد عقدين أو ثلاثة أمام تحديات سكانية واقتصادية واجتماعية عميقة.
والمملكة ليست استثناءً، فهذا المنحنى الانحداري ظاهرة عالمية. اليابان وكوريا الجنوبية تواجهان أزمة سكانية حادة؛ فقد بلغ معدل الإنجاب في كوريا 0.72 طفل لكل امرأة عام 2023، وهو الأدنى المسجّل عالمياً، ولم يرتفع عام 2024 إلا ارتفاعاً طفيفاً إلى نحو 0.75 لا يكفي لعكس المسار. وإيطاليا وألمانيا واليونان تواجه شيخوخة متسارعة، والصين رغم تخفيفها سياسة الطفل الواحد لم تنجح في تغيير الاتجاه. غير أن الفارق الجوهري أن هذه الدول استغرقت قرناً كاملاً لتبلغ ما بلغته، بينما قطع مجتمعنا المسافة ذاتها في أربعة عقود فحسب، وهو إيقاعٌ لم تعرفه حضارة سابقة.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن انخفاض المواليد إنجاز حضاري يعكس تحسّن وعي الأُسر وارتفاع التعليم واتساع فرص المرأة، وفي ذلك جانب من الصواب؛ فدخول المرأة ميادين العلم والعمل رافعة تنموية حقيقية أنصفت نصف المجتمع المعطّل. لكن حين يهبط معدل الإنجاب دون مستوى الإحلال السكاني (2.1 طفل لكل امرأة) يتحوّل المؤشر من بشارة إلى نذير. فالمجتمع الذي لا يُنجب ما يكفي لتعويض من يرحلون يدخل في شيخوخة بنيوية: تتراجع القوى العاملة، ويتكاثر المتقاعدون، وتنهك أنظمة التقاعد والتأمين الصحي، وتنخفض الإنتاجية، ويفقد الاقتصاد محرّكه الديموغرافي. وقد كشفت دراسات صندوق النقد الدولي أن كل واحد في المئة من الانخفاض في معدل الإنجاب يُكلّف الاقتصاد على المدى البعيد خسائر تتراوح بين نصف في المئة وواحد في المئة من الناتج المحلي سنوياً.
يبقى السؤال الجوهري: ما الأسباب العميقة لهذا التراجع؟ هناك ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار السكن، وتأخر سن الزواج، وتزايد الضغوط المهنية، واتجاه الأُسر إلى الاكتفاء بطفل أو طفلين سعياً وراء جودة تربية أعلى. لكن خلف هذه الأسباب يكمن سبب أعمق: تراجع مكانة الأسرة في منظومة القيم. فحين يُقدَّم النجاح منصباً وثروةً وشهرة، وحين يغيب الدعم فيُحمَّل الإنجاب وحده عبء التضحية، ينصرف الناس عنه انصرافاً يبدو طبيعياً وهو في حقيقته نتيجة بيئة لم تُهيّأ له.
ومن هنا تتّضح خطورة اختزال التنمية في مؤشرات اقتصادية ضيقة. فالتنمية الحقيقية لا تعني رفع الناتج المحلي ونسب التوظيف فحسب، بل تعني قبل ذلك بناء مجتمع قادر على إنجاب أجيال جديدة وتربيتها تربية صحية. والمجتمع الذي يحقّق طفرات اقتصادية مع تراجع في الإنجاب يُشبه شركةً تجني أرباحاً ضخمة بينما تستنزف رأس مالها الأصلي، والنتيجة الحتمية انهيارٌ بعد عقود من ازدهار ظاهري.
والمرأة في قلب هذه المعادلة، لا بوصفها مسؤولة عن الأزمة، بل بوصفها الشريك الأساسي في حلّها. فحين تُحاصَر بضغطٍ مزدوج، عملٍ خارجي ومسؤوليات أسرية كاملة دون منظومة دعم، تجد نفسها مضطرة إلى تأجيل الزواج أو تقليل الإنجاب. وحين تُهمَل قيمة الأمومة في الخطاب العام، يبدو لها التفرّغ لأسرتها تضحيةً لا إنجازاً. والمعالجة ليست في مطالبتها بالاختيار بين بيتها وعملها، بل في بناء بيئةٍ لا تفرض عليها هذا الاختيار أصلاً.
ومعالجة هذه المعادلة تستحق نقاشاً جاداً على محاور عدة. أولها إعادة الاعتبار لمكانة الأسرة في الخطاب الإعلامي والثقافي، بحيث يُقدَّم الزواج والإنجاب من أعظم مشاريع الإنسان. وثانيها تطوير سياسات اقتصادية داعمة: بدلات أطفال، وإعفاءات ضريبية، ودعم سكني للأُسر الجديدة، وحضانات حكومية عالية الجودة ، وإجازات أمومة وأبوة محترمة. وثالثها الاعتراف بالعمل الأسري الذي تؤدّيه الأم عملاً تنموياً يستحق التقدير المالي والقانوني؛ وقد جرّبت المجر نموذجاً لافتاً، إذ ضخّت قرابة خمسة في المئة من ناتجها في سياسات داعمة للأسرة، فارتفع معدل الإنجاب لديها من نحو 1.23 إلى ما يقارب 1.5 خلال عقد، مما يثبت أن المسار قابل للتعديل حين تتوفر الإرادة. ورابعها تطوير نماذج عمل مرنة تجمع بين الإنتاج المهني والحضور الأسري، خاصة في الاقتصاد الرقمي. وخامسها شراكة حقيقية للأب في الأعباء الأسرية، بدلاً من تحميل الأم وحدها كل المسؤولية.
والمملكة، التي حقّقت نقلات حضارية مهمة في العقد الأخير، أمام فرصة تاريخية لتقديم نموذج تنموي متوازن يجمع بين الطموح الاقتصادي والاستدامة السكانية. وليس من الحكمة أن نتابع الأرقام بصمت، بل أن نتحرّك بوعيٍ قبل أن تتحوّل المؤشرات الديموغرافية إلى أزمة يستحيل عكسها. فالدول التي تأخّرت، كاليابان وكوريا، تكتشف اليوم أن تغيير الاتجاه صار أقرب إلى المستحيل، والتحرّك اليوم حين يبقى الأمر ممكناً خيرٌ من انتظارٍ يُلقي بنا أمام واقع لا رجعة فيه.
فالأمم لا تُبنى بالمشروعات الاقتصادية وحدها، بل تُبنى قبل ذلك بالإنسان الذي يحمل القيم والمعرفة والمسؤولية. والاستثمار الحقيقي في مستقبل أي مجتمع يبدأ من البيت، حيث تُصنع الأجيال و يُبنى الإنسان وتُغرس القيم. فإذا أكرمنا الأسرة أكرمنا مستقبلنا، وإذا أهملناها أهملناه. وأرقام اليوم الديموغرافية ليست مجرد إحصاءات في تقارير، بل رسائل تحذير يبعثها المستقبل إلى الحاضر، تنتظر منّا أن نقرأها بوعي ونستجيب لها بحكمة، قبل أن تصبح واقع لا يقبل المراجعة. فأيّ ردٍّ سنكتب على هذه الرسالة؟
0





