المقالات

مؤثرون من قاع،،، وجمهور بلا قاع د.عادي بن كريم الخالدي

صناعة المؤثرين: كيف تحوّلنا من مجتمع منتج إلى جمهور يصفّق للتافهين.
لم يعد الأمر مجرد ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى صناعة متكاملة: نحن لا نكتفي بوجود هؤلاء، بل نُنتجهم، نُسوّق لهم، ونرفعهم إلى منصات النجومية حتى يصبحوا رموزًا يُقتدى بهم.
نعم، نحن من نصنعهم… بأصابعنا، بوقتنا، وبانتباهنا الذي أصبح أغلى سلعة في هذا العصر.
نحن الذين نحول “اللاشيء” إلى “شيء”. شخص بلا إنجاز، بلا علم، بلا قيمة مضافة، يتحول فجأة إلى نجم تُلاحقه الكاميرات، وتُغدق عليه الإعلانات، ويُفتح له باب الشهرة على مصراعيه. كيف حدث هذا؟
ببساطة لأننا اخترنا أن نتابع، أن نُشاهد، أن نُعلّق، أن نُشارك… أن نمنحه الحياة التي لا يستحقها.
لماذا تتابعهم؟
لا يصنعون فكرًا، ولا يقدّمون قيمة… فقط يبيعون الفراغ، ونحن نشتري.
اسأل نفسك بصدق: ماذا يضيف لك هذا الشخص؟ هل تتعلم؟ هل تتطور؟ هل تُلهم؟ أم أنك فقط تستهلك وقتك في مشاهدة تفاصيل حياة لا تعنيك؟
أنت بالنسبة له مجرد رقم… “مشاهد”، “متابع”، “تفاعل”. لا يعرفك، لا يهتم بك، ولا يراك إلا كوسيلة لزيادة أرباحه.
كل ضحكة تضحكها على محتواه، كل دقيقة تقضيها في متابعته، تتحول إلى مال في حسابه… بينما أنت تخسر من عمرك.
من أخطر ما أنتجته هذه المنصات هو “وهم العلاقة”. تشعر أنك قريب منهم، تعرف يومياتهم، تفاصيلهم، حتى مشاكلهم. لكن الحقيقة القاسية: أنت خارج عالمهم تمامًا. أنت مجرد جمهور، ويقع أبناؤنا في فخ المقارنات بين واقعهم والحياة المزيفة للمؤثرين.
هم لا يعيشون لك… بل يعيشون منك.
المسابقات؟ الجوائز؟ الهدايا؟
كلها أدوات تسويق ذكية. يُلقون لك فتاتًا بسيطًا ليضمنوا بقاءك أطول، ليرفعوا نسبة المشاهدة، ليجذبوا المعلنين. أنت لا تربح… أنت تُستخدم.
التافه يربح… والمبدع يُهمَل
في زاوية أخرى من المجتمع، هناك مبدعون حقيقيون، موهوبون علماء، كتّاب، معلمون، أصحاب مهارات نادرة، وأفكار عظيمة… لكنهم في الظل. لماذا؟ لأنهم لا يثيرون الجدل، لا يقدمون محتوى سطحيًا سريع الهضم.
نحن من قرر أن نكافئ التافهين، ونتجاهل قيمة المبدعين.
نحن من جعل أصحاب القاع مشهورين، بينما جعل المبدعين و الإبداع طريقًا مهجورًا.
لا تلقِ اللوم على المنصات وحدها، المنصات تعكس سلوكنا.
المسؤول الأول هو “اختياراتك”.
أنت من يحدد من ينجح… ومن يختفي.
عندما تضغط “متابعة”، أنت تصوّت.
عندما تشاهد، أنت تدعم.
عندما تشارك، أنت تروّج.
عندما تصبح التفاهة هي القاعدة… ويصبح التميز غريبًا.
وحين يصبح القاع منصة للصعود … لا يبقى للجمهور قاع يعود إليه.
فليس كل مشهور يستحق المتابعة، وليس كل صاخب يستحق الانتباه.
قيمة وقتك أعلى من أن تُهدره على محتوى فارغ.
إذا أردت التغيير… ابدأ بنفسك.
ارفع من يستحق، وتجاهل من لا يستحق.
التافه لم يصعد وحده… نحن من حملناه إلى القمة.
ولن يسقطوا… إلا عندما نتوقف نحن عن رفعهم.
ليست لديهم قوة حقيقية…
نحن من منحناهم إياها.
وما نرفعه اليوم بإعجاب… يمكن أن نسحقه بتجاهل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى