
قبل أيام، كنت أتحدث مع أحد الزملاء عن الجمال، فتوقف طويلًا عند امرأة لم يرَ منها سوى عينيها خلف النقاب.
كان يتحدث عن نظرةٍ بقيت عالقة في ذاكرته أكثر من وجوهٍ كثيرة مرّت أمامه واضحة الملامح.
قال لي:
“العينان فيهما شيء مختلف… ربما لو كانت عزباء لفكرت بالارتباط بها.”
عرفت أنه فُتن بعينيها، فقلت له ممازحًا:
إِنَّ العُيونَ الَّتي في طَرفِها حَوَرٌ
قَتَلنَنا ثُمَّ لَم يُحيِينَ قَتلانا
ابتسمنا معًا، ثم قلت بهدوء:
“من يدري… ربما العيون تخدع أحيانًا.”
توقفت طويلًا عند سر هذا الانبهار.
فالعيون هنا لم تكن مجرد تفصيل جمالي، بل إطارًا بصريًا اختصر امرأة كاملة في جزء صغير منها.
العقل بدأ فورًا في إكمال الصورة، والخيال أضاف ملامحه الخاصة، حتى تحولت نظرة عابرة إلى صورة متكاملة داخل الذهن.
وهنا عاد إلى ذهني مفهوم “التأطير الإعلامي” الذي درسناه في مرحلة الماجستير، رغم أن المسافة تبدو بعيدة بين الإعلام والجمال… إلا أن الفكرة تكاد تكون واحدة.
في الإعلام، لا تحتاج بعض المؤسسات إلى اختلاق الكذب كي تؤثر على المتلقي.
يكفي أحيانًا أن تختار له الزاوية التي ينظر منها، ثم تترك خياله يُكمل بقية المشهد.
صورة واحدة قد تختصر شعبًا كاملًا.
لقطة غضب قد تتحول إلى هوية أمة.
عنوان حاد قد يصنع انطباعًا سياسيًا طويل العمر.
وجزء صغير من الحقيقة قد يُقدَّم وكأنه الحقيقة كلها.
المتلقي بعد ذلك لا يرى الواقع كما هو، بل كما جرى تأطيره له.
وهنا تبدو العلاقة مدهشة بين النقاب والتأطير الإعلامي.
فكما يعزل النقاب العينين ويمنحهما كامل مساحة التأثير، يعزل التأطير الإعلامي جزءًا من القضية ويضعه تحت الضوء، بينما تبقى بقية الصورة خارج المشهد.
وفي الحالتين، يبدأ العقل في ملء الفراغات بنفسه.
ولهذا لا تكون المشكلة دائمًا فيما نراه، بل فيما لم نره أصلًا.
بعض المؤسسات الإعلامية تدرك جيدًا أن أخطر وسائل التأثير ليست الكذبة الصريحة، بل إدارة زاوية النظر.
أن تجعلك ترى شيئًا واحدًا فقط، ثم تتركك تعتقد أنك رأيت الصورة كاملة.
وربما لهذا السبب نصدم أحيانًا عندما تتكشف الوقائع لاحقًا؛ لأننا لا نكتشف أن الحقيقة تغيرت، بل نكتشف أننا كنّا نرى جزءًا منها فقط.
تذكرت هنا قصة شاب تعرّف على فتاة عبر الهاتف لفترة طويلة.
أحب صوتها، وطريقة حديثها، وهدوءها، حتى رسم لها في خياله صورة فائقة الجمال قبل أن يلتقي بها. وفي أول لقاء اكتشف أن الواقع مختلف عن اللوحة التي بناها داخل رأسه، فتغيّر شعوره سريعًا.
المشكلة لم تكن في الفتاة، بل في الصورة التي صنعها خياله ثم صدّقها.
وهذا ما يفعله التأطير الإعلامي أحيانًا؛
لا يزوّر الحقيقة بالكامل، بل يمنحك جزءًا منها، ثم يترك خيالك يتكفل بالبقية.
ليست كل العيون مرآة كاملة للحقيقة، وليست كل الصور نافذة صادقة على الواقع.
أحيانًا… يكون الإطار نفسه هو أكثر الأشياء قدرة على الإغواء.






